ورأس الأمر وعموده في ذلك، إنما هو دوام التفكر وتدبر آيات الله، حيث تستولي على الفكر وتشغل القلب. فإذا صارت معاني القرآن مكان الخواطر من قلبه وجلس على كرسيه، وصار له التصرف، وصار هو الأمير المطاع أمره، فحينئذ يستقيم له سيره، ويتضح له الطريق، وتراه ساكنا وهو يباري الريح {وَتَرَى الْجِبََالَ تَحْسَبُهََا جََامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحََابِ صُنْعَ اللََّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمََا تَفْعَلُونَ} (88) [النمل] .
فإن قلت: إنك قد أشرت إلى مقام عظيم فافتح لي بابه، واكشف لي حجابه، وكيف تدبر القرآن وتفهمه والإشراف على عجائبه وكنوزه؟ وهذه تفاسير الأئمة بأيدينا فهل في البيان غير ما ذكروه؟.
قلت: سأضرب لك أمثالا تحتذى عليها، وتجعلها إماما لك في هذا المقصد.
قال الله تعالى: {هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرََاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ} (24) إلى قوله تعالى {الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} [الذاريات: 30] .
فعهدي بك إذا قرأت هذه الآية وتطلعت إلى معناها وتدبرتها، فإنما تطلع منها على أن الملائكة أتوا إبراهيم في صورة الأضياف يأكلون ويشربون، وبشروه بغلام عليم، وإنما امرأته عجبت من ذلك، فأخبرتها الملائكة أن الله قال ذلك ولم يتجاوز تدبرك غير ذلك.
فاسمع الآن بعض ما في هذه الآيات من أنواع الأسرار. وكم قد تضمنت من الثناء على إبراهيم عليه السّلام.
وكيف جمعت الضيافة وحقوقها.
وما تضمنت من الرد على أهل الباطل من الفلاسفة والمعطلة.
وكيف تضمنت علما عظيما من أعلام النبوة.
وكيف تضمنت جميع صفات الكمال، التي ردها إلى العلم والحكمة.
وكيف أشارت إلى دليل إمكان المعاد بألطف إشارة وأوضحها، ثم أفصحت وقوعه.
وكيف تضمنت الإخبار عن عدل الرب وانتقامه من الأمم المكذبة.