وإذا أردت فهم هذا بمثال حسي فطالب المال ما دام جادا في طلبه، فهو في كلال
وتعب، حتى إذا ظفر به استراح من كد الطلب، وقدم من سفر التجارة. فطالع ما حصله وأبصره، وصحح في هذا الحال ما عساه غلط فيه في حال اشتغاله بالطلب، فإذا صح له وبردت غنيمته له، أخذ في صرف المال في وجوه الانتفاع المطلوبة منه، والله أعلم [1] .
التأمل في القرآن، هو تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله.
وهو المقصود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم، ولا تدبر. قال الله تعالى: {كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ إِلَيْكَ مُبََارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيََاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبََابِ} (29) [ص] . وقال تعالى: {أَفَلََا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى ََ قُلُوبٍ أَقْفََالُهََا} (24) [محمد] . وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} [المؤمنون: 68] . وقال تعالى: {إِنََّا جَعَلْنََاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (3) [الزخرف] .
وقال الحسن: نزل القرآن ليتدبر ويعمل به فاتخذوا تلاوته عملا فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته: من تدبر القرآن، وإطالة التأمل، وجمع فيه الفكر على معاني آياته، فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغايتهما وثمراتهما، ومآل أهلهما.
وتتل [2] في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتشيد بنيانه، وتوطد أركانه، وتريه صورة الدنيا والآخرة، والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله.
وتعرفه ذاته، وأسماءه وصفاته وأفعاله، وما يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطريق وآفاتها.
وتعرفه النفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال مصححاتها، وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم، ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه، وافتراقهم فيما يفترقون فيه.
وبالجملة، تعرفه الرب المدعو إليه، وطريق الوصول إليه، وما له من الكرامة إذا قدم عليه.
وتعرفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشيطان، والطريق الموصلة إليه، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه.
(1) مدارج السالكين (1/ 445440) .
(2) تل الشيء في يده، بالمثناة الفوقية المفتوحة: وضعه فيها (لسان العرب: تلل) .