فصاحب هذا القلب إذا سمع الآيات وفي قلبه نور من البصيرة: ازداد بها نورا على نوره، فإن لم يكن للعبد مثل هذا القلب فألقى السمع وشهد قلبه ولم يغب حصل له التذكر أيضا {فَإِنْ لَمْ يُصِبْهََا وََابِلٌ فَطَلٌّ} [البقرة: 265] ، والوابل والطل في جميع الأعمال وآثارها، وموجباتها. وأهل الجنة سابقون مقربون، وأصحاب يمين، وبينهما في درجات التفضيل ما بينهما، حتى إن شراب أحد النوعين الصرف يطيب به شراب النوع الآخر ويمزج به مزجا، قال الله تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى ََ صِرََاطِ
الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6) [سبأ] فكل مؤمن يرى هذا. ولكن رؤية أهل العلم له لون، ورؤية غيرهم له لون أخر.
قال صاحب «المنازل» : «أبنية التذكر ثلاثة: الانتفاع بالعظة، والاستبصار بالعبرة، والظفر بثمرة الفكرة» .
والانتفاع بالعظة: هو أن يقدح في القلب قادح الخوف والرجاء. فيتحرك للعمل، طلبا للخلاص من الخوف، ورغبة في حصول المرجو.
و «العظة» هي الأمر والنهي، المعروف بالترغيب والترهيب.
و «العظة» نوعان: عظة بالمسموع، وعظة بالمشهود، فالعظة بالمسموع: الانتفاع بما يسمعه من الهدى والرشد، والنصائح التي جاءت على لسان الرسل وما أوحى إليهم وكذلك الانتفاع بالعظة من كل ناصح ومرشد في مصالح الدين والدنيا.
و «العظة» بالمشهود: الانتفاع بما يراه ويشهده في العلم من مواقع العبر، وأحكام القدر، ومجاريه، وما يشاهده من آيات الله الدالة على صدق رسله.
وأما استبصار العبرة: فهو زيادة البصيرة عما كانت عليه في منزل التفكر بقوة الاستحضار لأن التذكر يعتقل المعاني التي حصلت بالتفكر في مواقع الآيات والعبر، فهو يظفر بها بالتفكر. وتنصقل له وتنجلي بالتذكر. فيقوي العزم على السير بحسب قوة الاستبصار لأنه يوجب تحديد النظر فيما يحرك المطلب إذ الطلب فرع الشعور. فكلما قوي الشعور بالمحبوب اشتد سفر القلب إليه. وكلما اشتغل الفكر به ازداد الشعور به والبصيرة فيه. والتذكر له.
وأما الظفر بثمرة الفكرة، فهذا موضع لطيف.
وللفكرة ثمرتان: حصول المطلوب تاما بحسب الإمكان، والعمل بموجب رعاية لحقه، فإن القلب حال التفكر كان قد كلّ بأعماله في تحصيل المطلوب.
فلما حصلت له المعاني وتخمرت في القلب، واستراح العقل: عاد فتذكر ما كان حصله وطالعه، فابتهج به وفرح به. وصحح في هذا المنزل ما كان فإنه في منزل التفكر لأنه قد أشرف عليه في مقام التذكر، الذي هو أعلى منه فأخذ حينئذ في الثمرة المقصودة وهي العمل بموجبه مراعاة لحقه، فإن العمل الصالح: هو ثمرة العلم النافع، الذي هو ثمرة التفكر.
وإذا أردت فهم هذا بمثال حسي فطالب المال ما دام جادا في طلبه، فهو في كلال
وتعب، حتى إذا ظفر به استراح من كد الطلب، وقدم من سفر التجارة. فطالع ما حصله وأبصره، وصحح في هذا الحال ما عساه غلط فيه في حال اشتغاله بالطلب، فإذا صح له وبردت غنيمته له، أخذ في صرف المال في وجوه الانتفاع المطلوبة منه، والله أعلم (1) .