فهرس الكتاب

الصفحة 447 من 490

حادي القرآن عوض عن حادي السماع.

فتركب من هذه الأمور: إيثار منهم للسماع. ومحبة صادقة له. تزول الجبال عن أماكنها ولا تفارق قلوبهم، إذ هو مثير عزماتهم ومحرك سواكنهم، ومزعج بواطنهم.

فدواء صاحب مثل هذا الحال: أن ينقل بالتدريج إلى سماع القرآن بالأصوات الطيبة، مع الإمعان في تفهم معانيه، وتدبر خطابه قليلا قليلا، إلى أن ينخلع من قلبه سماع الأبيات، ويلبس محبة سماع الآيات، ويصير ذوقه وشربه وحاله ووجده فيه، فحينئذ يعلم هو من نفسه: أنه لم يكن على شيء ويتمثل حينئذ بقول القائل:

وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى ... إلى غاية ما فوقها لي طلب

فلما تلاقينا وعاينت حسنها ... تيقنت أني إنما كنت ألعب [1]

قد اختلف الناس في الأفضل من الترتيل وقلة القراءة أو السرعة مع كثرة القراءة: أيهما أفضل؟ على قولين.

فذهب ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وغيرهما إلى أن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من سرعة القراءة مع كثرتها.

واحتج أرباب هذا القول بأن المقصود من القراءة فهمه وتدبره، والفقه فيه والعمل به، وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه كما قال بعض السلف: نزل القرآن ليعمل به، فاتخذوا تلاوته عملا، ولهذا كان أهل القرآن هم العالمون به، والعاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب.

جماحها، ولا حكمة تسكن حركتها بسكينة الاطمئنان إلى آثار أسماء الله وصفاته. فعندئذ يجد الشيطان الفرصة سانحة، فيركب النفس البهيمية وقد انسلخت من آيات ربها. ووهنت وضعفت بهذا الانسلاخ، فاتخذها عدوها مطية. فكانت معه من الغاوين، الذين ظنوا الفسوق طاعة، والفجور تقوى، والشرك توحيد، وكثيرا جدا بل ذلك نتيجة حتمية لهذا الانسلاخ وما استتبعه نعم كثيرا جدا ما زاد إبليس في إضلالهم وإغوائهم، فاتخذ لهم من آيات القرآن أغاني يوقعونها على نغم الموسيقى. فيزدادون عمى على عمى، وضلالا وخسرانا باتخاذهم آيات الله ودينه هزوا ولعبا. وهيهات أن يرجى لهم مع هذا وبعد هذا إنابة أو رجعة صحيحة إلى صراط الله المستقيم.

وكل ذلك من ثمرات التقليد الأعمى الخبيثة. ومن آثار ما رمى به المجوس واليهود والمشركون المسلمين. ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

(1) مدارج السالكين (1/ 498، 499)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت