فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 490

حمده وكماله ومجده من قول الحق وفعله، وبالله التوفيق.

وفي الآية قول ثان مثل الآية الأولى سواء، أنه مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، وقد تقدم ما في هذا القول وبالله التوفيق.

ومنها قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثََانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفََاءَ لِلََّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللََّهِ فَكَأَنَّمََا خَرَّ مِنَ السَّمََاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكََانٍ سَحِيقٍ} (31) [الحج] ، فتأمل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك بالله، وتعلق بغيره، ويجوز لك في هذا التشبيه أمران: أحدهما: أن تجعله تشبيها مركبا، ويكون قد شبه من أشرك بالله، وعبد معه غيره برجل قد تسبب إلى هلاك نفسه هلاكا لا يرجى معه نجاة، فصور حاله بصورة حال من خرّ من السماء، فاختطفته الطير في الهوى، فتمزق مزقا في حواصلها، أو عصفت به الريح، حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة. وعلى هذا لا ينظر إلى كل فرد من أفراد المشبه ومقابله من المشبه به.

والثاني: أن يكون من التشبه المفرّق، فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل بالممثل به، وعلى هذا فيكون قد شبه الإيمان والتوحيد في علوه وسعته وشرفه بالسماء التي هي مصعده ومهبطه، فمنها هبط إلى الأرض، وإليها يصعد منه، وشبه تارك الإيمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين من حيث التضييق الشديد، والآلام المتراكمة، والطير الذي تخطف أعضاءه، وتمزقه كل ممزق، بالشياطين التي يرسلها الله سبحانه وتعالى عليه أزا، وتزعجه وتقلقه إلى مظان هلاكه. فكل شيطان له مزعة من دينه وقلبه، كما أن لكل طير مزعة من لحمه وأعضائه، والريح التي تهوي به في مكان سحيق، هو هواه الذي يحمله على إلقاء نفسه في أسفل مكان، وأبعده من السماء.

ومنها قوله تعالى: {يََا أَيُّهَا النََّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللََّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبََابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبََابُ شَيْئًا لََا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطََّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مََا قَدَرُوا اللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللََّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (74) [الحج] ، حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل ويتدبره حق تدبره فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه، وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده، وإعدام ما يضره، والآلهة التي

يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق الذباب، ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف ما هو أكبر منه؟ ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئا مما عليهم من طيب ونحوه، فيستنقذوه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوانات، ولا على الانتصار منه، واسترجاع ما سلبهم إياه، فلا أعجز من هذه الآلهة، ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت