ثبت في صحيح البخاري من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال:
«خيركم من تعلم القرآن وعلمه» [1] وتعلم القرآن وتعليمه يتناول تعلم حروفه وتعليمها، وتعلم معانيه وتعليمها، وهو أشرف قسمى علمه وتعليمه.
فإن المعنى هو المقصود واللفظ وسيلة إليه، فتعلم المعنى وتعليمه تعلم الغاية وتعليمها، وتعلم اللفظ المجرد وتعليمه تعلم الوسائل وتعليمها، وبينهما كما بين الغايات والوسائل [2] .
قال صاحب الغناء: وندب النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى تحسين الصوت بالقرآن، فروى البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «حسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا» [3] . وعن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لكل شيء حلية وحلية القرآن الصوت الحسن» [4] .
وقد صح عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» [5] .
وقد قال الإمام أحمد في تفسيره: «يحسنه بصوته ما استطاع» وقال الشافعي: «نحن أعلم بهذا من سفيان» ينكر عليه قوله يستغنى به.
وإنما هو تحسين الصوت وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته» [6] فإذا ندب إلى تحسين الصوت بالقرآن والتغني به، جاز أن يحسن الصوت بالشعر ويتغنى به، وأي حرج في تحسين الصوت بالشعر.
قال صاحب القرآن: هذه الأدلة إنما تدل على فضل الصوت الحسن بكتاب الله لا على فضل الصوت الحسن بالغناء، الذي هو مزمور الشيطان، ومن قاس هذا بهذا، وشبه أحدهما بالآخر فقد شبه الباطل بالحق، وقاس قرآن الشيطان على كتاب الرحمن. وهل هذا إلا نظير
(1) البخاري (5027) في فضائل القرآن، باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه.
(2) مفتاح دار السعادة (80) .
(3) الدارمي (2/ 474) في فضائل القرآن، باب: التغني بالقرآن.
(4) عبد الرزاق (4173) ، والهيثمي في المجمع (7/ 174) وقال: «رواه البزار وفيه عبد الله بن محرز وهو متروك» .
(5) سبق تخريجه ص (430)
(6) سبق تخريجه ص (429)