فهرس الكتاب

الصفحة 338 من 490

ويكفي المتأولين كلام الله ورسوله بالتأويلات التي لم يردها، ولم يدل عليها كلام الله أنهم قالوا برأيهم على الله، وقدموا آراءهم على نصوص الوحي، وجعلوها عيارا على كلام الله ورسوله، ولو علموا أي باب شر فتحوا على الأمة بالتأويلات الفاسدة. وأي بناء للإسلام هدموا بها، وأي معاقل وحصون استباحوها لكان أحدهم أن يخر من السماء إلى

الأرض أحب إليه من أن يتعاطى شيئا من ذلك.

فكل صاحب باطل قد جعل ما تأوله المتأولون عذرا له فيما تأوله هو، وقال: ما الذي حرم عليّ التأويل وأباحه لكم؟ فتأولت الطائفة المنكرة للمعاد نصوص المعاد، وكان تأويلهم من جنس تأويل منكري الصفات، بل أقوى منه لوجوه عديدة يعرفها من وازن بين التأويلين، وقالوا: كيف نحن نعاقب على تأويلنا. وتؤجرون أنتم على تأويلكم؟

قالوا: ونصوص الوحي بالصفات أظهر وأكثر من نصوصه بالمعاد، ودلالة النصوص عليها أبين فكيف يسوغ تأويلها بما يخالف ظاهرها ولا يسوغ لنا تأويل نصوص المعاد؟

وكذلك فعلت الرافضة في أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة (رضي الله عنهم) ، وكذلك فعلت المعتزلة في تأويل أحاديث الرؤية والشفاعة، وكذلك القدرية في نصوص القدر، وكذلك الحرورية وغيرهم من الخوارج في النصوص التي تخالف مذاهبهم، وكذلك القرامطة والباطنية طردت الباب، وطمت الوادي على القرى [1] ، وتأولت الدين كله.

فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه، ولا دلّ عليه أنه مراده، وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلّا بالتأويل؟ وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلّا بالتأويل؟ فمن بابه دخل إليها، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلّا بالتأويل؟

التأويل عدوّ كل الأديان

وليس هذا مختصا بدين الإسلام فقط، بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد حتى دخلها التأويل، فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلّا رب العباد.

وقد تواترت البشارات بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة، ولكن سلطوا عليها التأويلات فأفسدوها، كما أخبر سبحانه عنهم من التحريف والتبديل والكتمان. فالتحريف تحريف المعاني بالتأويلات التي لم يردها المتكلم بها، والتبديل تبديل لفظ بلفظ آخر، والكتمان جحده. وهذه الأدواء الثلاثة منها غيّرت الأديان والملل، وإذا تأملت دين المسيح وجدت النصارى إنما تطرقوا إلى إفساده بالتأويل بما لا يكاد يوجد قط مثله في شيء من

(1) طم الماء: غمر، وطم الإناء: ملأه، والقرى كغنى: ميل من التلاع، أو موقعه من الربو في الروضة.

(مصدر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت