فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 490

إلى أن قال: ومن الناس من يبادر إلى التأويل ظنا لا قطعا، فإن كان فتح هذا الباب والتصريح به يؤدي إلى تشويش قلوب العوام بدع صاحبه، وكل ما لم يؤثر عن السلف ذكره، وما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة فيجب تكفير من يغير الظواهر بغير برهان قاطع.

وقال أيضا: كل ما يحتمل التأويل في نفسه، وتواتر نقله، ولم يتصور أن يقوم على خلافه برهان، فمخالفته تكذيب محض، وما تطرق إليه احتمال تأويل ولو بمجاز بعيد، فإن كان برهانه قاطعا وجب القول به، وإن كان البرهان يفيد ظنا غالبا، ولا يعظم ضرره في الدين فهو بدعة، وإن عظم ضرره في الدين فهو كفر.

قال: ولم تجر عادة السلف بهذه المجادلات، بل شددوا القول على من يخوض في الكلام، ويشتغل بالبحث والسؤال.

وقال أيضا: الإيمان المستفاد من الكلام ضعيف. والإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع، وبعد البلوغ بقرائن يتعذر التعبير عنها.

قال: وقال شيخنا أبو المعالي: يحرص الإمام ما أمكنه على جمع عامة الخلق على سلوك سبيل السلف في ذلك. انتهى.

وقال بعض أهل العلم: كيف لا يخشى الكذب على الله ورسوله، من يحمل كلامه على التأويلات المستنكرة والمجازات المستكرهة التي هي بالألغاز والأحاجي أولى منها بالبيان والهداية؟ وهل يأمن على نفسه أن يكون ممن قال الله فيهم: {وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمََّا تَصِفُونَ}

[الأنبياء: 18] .

قال الحسن: هي والله لكل واصف كذبا إلى يوم القيامة، هل يأمن أن يتناول قوله تعالى: {وَكَذََلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف: 152] .

قال ابن عيينة: هي لكل مفتر من هذه الأمة إلى يوم القيامة، وقد نزه سبحانه نفسه عن كل ما يصفه به خلقه إلّا المرسلين فإنهم إنما يصفونه بما أذن لهم أن يصفوه به فقال تعالى: {سُبْحََانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمََّا يَصِفُونَ (180) وَسَلََامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} (181) [الصافات] ، وقال تعالى: {سُبْحََانَ اللََّهِ عَمََّا يَصِفُونَ (159) إِلََّا عِبََادَ اللََّهِ الْمُخْلَصِينَ} (160) [الصافات] .

ويكفي المتأولين كلام الله ورسوله بالتأويلات التي لم يردها، ولم يدل عليها كلام الله أنهم قالوا برأيهم على الله، وقدموا آراءهم على نصوص الوحي، وجعلوها عيارا على كلام الله ورسوله، ولو علموا أي باب شر فتحوا على الأمة بالتأويلات الفاسدة. وأي بناء للإسلام هدموا بها، وأي معاقل وحصون استباحوها لكان أحدهم أن يخر من السماء إلى

الأرض أحب إليه من أن يتعاطى شيئا من ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت