يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟» [1] وكان حبرا سمينا، فغضب عدو الله وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء. فقال له أصحابه الذين معه: ويحك ولا موسى؟ فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء. فأنزل الله عز وجل: {يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتََابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتََابًا مِنَ السَّمََاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى ََ أَكْبَرَ مِنْ ذََلِكَ} الآية [النساء: 153] [2] .
وجاء رجل من اليهود فقال: ما أنزل الله عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحد شيئا، ما أنزل على بشر من شيء، فحل رسول الله صلى الله عليه وسلم حبوته، وجعل يقول: «ولا على أحد» [3] .
وذهب جماعة منهم مجاهد إلى أن الآية نزلت في مشركي قريش، فهم الذين جحدوا أصل الرسالة، وكذبوا بالرسل، وأما أهل الكتاب فلم يجحدوا نبوة موسى وعيسى.
وهذا اختيار ابن جرير، قال: وهو أولى الأقاويل بالصواب، لأن ذلك في سياق الخبر عنهم، فهو أشبه من أن يكون خبرا عن اليهود، ولم يجر لهم ذكر يكون هذا به متصلا، مع ما في الخبر عن من أخبر الله عنه من هذه الآية من إنكاره أن يكون الله أنزل على بشر شيئا من الكتب، وليس ذلك مما تدين به اليهود، بل المعروف من دين اليهود الإقرار بصحف إبراهيم، وموسى، وزبور داود، والخبر من أول السورة إلى هذا الموضع خبر عن المشركين من عبدة الأوثان، وقوله: {وَمََا قَدَرُوا اللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} موصول به غير مفصول عنه، قلت:
ويقوي قوله أن السورة مكية، فهي خبر عن زنادقة العرب المنكرين لأصل النبوة [4] .
قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللََّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثََّابِتِ فِي الْحَيََاةِ الدُّنْيََا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللََّهُ الظََّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللََّهُ مََا يَشََاءُ} (27) [إبراهيم] قد ثبت في الصحيح أنها نزلت في عذاب القبر حين يسأله: «من ربك وما دينك ومن نبيك؟» [5] .
وفي الصحيح عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن العبد إذا وضع في قبره
(1) ابن جرير (7/ 177) ، والدر المنثور (3/ 29) .
(2) تفسير ابن جرير (6/ 6) ، والدر المنثور (2/ 238) .
(3) ابن جرير (7/ 177) .
(4) هداية الحيارى (276، 277) .
(5) البخاري (1280) في الجنائز، باب: ما جاء في عذاب القبر، ومسلم (5117) في الجنة وصفة نعيم أهلها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار.