فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 490

ولم نقل نحن ولا أحد من العقلاء: إن كل لفظ فهو مفيد لليقين بالمراد منه بمجرد من غير احتياج إلى لفظ آخر، متصل به، أو منفصل عنه، بل نقول: إن مراد المتكلم يعلم من لفظه المجرد تارة، والمقرون تارة ومنه ومن لفظ آخر يفيدان اليقين بمراده تارة ومنه ومن بيان آخر بالفعل أو القول يحيل المتكلم عليه تارة، وليس في القرآن خطاب أريد منه العلم بمدلوله إلا وهو داخل في هذه الأقسام [1] .

العلم بمراد المتكلم يعرف تارة: من عموم لفظه، وتارة من عموم علته، والحوالة على الأول أوضح لأرباب الألفاظ، وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني والفهم والتقدير.

وقد يعرض لكل من الفريقين ما يخل بمعرفة مراد المتكلم، فيعرض لأرباب الألفاظ التقصير بها عن عمومها وهضمها تارة، وتحميلها فوق ما أريد بها تارة، ويعرض لأرباب المعاني فيها نظير ما يعرض لأرباب الألفاظ.

فهذه أربع آفات هي منشأ غلط الفريقين، ونحن نذكر بعض الأمثلة لذلك ليعتبر به غيره، فتقول: قال الله تعالى: {يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصََابُ وَالْأَزْلََامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطََانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (90) [المائدة] ، فلفظ الخمر عام في كل مسكر، فإخراج بعض الأشربة المسكرة عن شمول اسم الخمر لها تقصير به، وهضم لعمومه، بل الحق ما قاله صاحب الشرع: «كل مسكر خمر» .

وإخراج بعض أنواع الميسر عن شمول اسمها لها تقصير أيضا به، وهضم لمعناه، فما الذي جعل النرد الخالي عن العوض من الميسر، وأخرج الشطرنج عنه مع أنه من أظهر أنواع الميسر، كما قال غير واحد من السلف: إنه ميسر، وقال علي كرم الله وجهه: هو ميسر العجم.

وأما تحميل اللفظ فوق ما يحتمله، فكما حمل لفظ قوله تعالى: {يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لََا تَأْكُلُوا أَمْوََالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبََاطِلِ إِلََّا أَنْ تَكُونَ تِجََارَةً عَنْ تَرََاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] وقوله في آية البقرة {إِلََّا أَنْ تَكُونَ تِجََارَةً حََاضِرَةً تُدِيرُونَهََا بَيْنَكُمْ} [البقرة: 282] مسألة العينة [2] التي هي ربا بحيلة وجعلها من التجارة، ولعمر الله إن الربا الصريح تجارة للمرابي، وأي تجارة.

(1) الصواعق المرسلة (2/ 754753) .

(2) هي أن يشتري من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يبيعها له بأقل من الثمن الذي اشتراها به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت