فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 490

كما يوجد كثير من الناس يضبط قواعد الإفتاء لصعوبة النقل عليه، وتعسر حفظه، فلم

يتعدوا في استعماله قدر الضرورة، ولم يبغوا بالعدل إليه مع تمكنهم من النصوص والآثار، كما قال الله تعالى في المضطر إلى الطعام المحرم: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بََاغٍ وَلََا عََادٍ فَلََا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (173) [البقرة] فالباغي الذي يبتغي الميتة مع قدرته على التوصل إلى المذكي، والعادي الذي يتعدى قدر الحاجة بأكلها.

فالرأي الباطل أنواع:

أحدها: الرأي المخالف للنص: وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده وبطلانه، ولا تحل الفتيا به، ولا القضاء وإن وقع فيه من وقع بنوع تأويل وتقليد.

النوع الثاني: هو الكلام في الدين بالخرص والظن مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها، واستنباط الأحكام منها. فإن من جهلها وقاس برأيه، فما سئل عنه بغير علم، بل لمجرد قدر جامع بين الشيئين ألحق أحدهما بالآخر أو لمجرد قدر فارق يراه بينهما، يفرق بينهما في الحكم من غير نظر إلى النصوص والآثار، فقد وقع في الرأي المذموم الباطل.

فصل وأصل النوع الثالث: الرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة، التي وضعها أهل البدع والضلال من الجهمية والمعتزلة والقدرية، ومن ضاهاهم.

حيث استعمل أهله قياساتهم الفاسدة، وآراءهم الباطلة، وشبههم الداحضة في رد النصوص الصحيحة الصريحة، فردوا لأجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رواتها، وتخطئتهم، ومعاني النصوص التي لم يجدوا إلى رد ألفاظها سبيلا، فقابلوا النوع الأول بالتكذيب، والنوع الثاني بالتحريف والتأويل.

فأنكروا لذلك رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وأنكروا كلامه وتكليمه لعباده، وأنكروا مباينته للعالم، واستواءه على عرشه، وعلوه على المخلوقات وعموم قدرته على كل شيء، بل أخرجوا أفعال عباده من الملائكة والأنبياء والجن والإنس عن تعلق قدرته ومشيئته وتكوينه لها. ونفوا لأجلها حقائق ما أخبر به عن نفسه وأخبر به رسوله من صفات كماله ونعوت جلاله، وحرفوا لأجلها النصوص عن مواضعها، وأخرجوها عن معانيها وحقائقها بالرأي المجرد الذي حقيقته: أنه ذبالة الأذهان، ونخالة الأفكار، وعفارة الآراء، ووساوس الصدور، فملئوا به الأوراق سوادا، والقلوب شكوكا والعالم فسادا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت