فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 490

وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل. وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا وفسد أمرها أتم فساد، فلا إله إلا الله! كما نفى بهذه الآراء من حق، وأثبت بها من باطل، وأميت بها من هدى، وأحيى بها من ضلالة، وكم هدم بها من معقل الإيمان، وعمر بها من دين الشيطان.

وأكثر أصحاب الجحيم. هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم، ولا عقل بل هم شر من الحمر، وهم الذين يقولون يوم القيامة: {لَوْ كُنََّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مََا كُنََّا فِي أَصْحََابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] .

النوع الرابع: الرأي الذي أحدثت به البدع، وغيرت به السنن، وعم به البلاء وتربى عليه الصغير، وهرم فيه الكبير، فهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها، على ذمه وإخراجه من الدين.

النوع الخامس: ما ذكره أبو عمر بن عبد البر عن جمهور أهل العلم أن الرأي المذموم في هذه الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه والتابعين رضي الله عنهم، أنه القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات، ورد الفروع بعضها على بعض قياسا دون ردها على أصولها، والنظر في عللها واعتبارها، فاستعمل فيها الرأي قبل أن ينزل، وفرعت وشقت قبل أن تقع، وتكلم فيها قبل أن يكون بالرأي المضارع للظن، قالوا:

وفي الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل السنن والبعث على جهلها، وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها، ومن كتاب الله عز وجلّ ومعانيه، احتجوا على ما ذهبوا إليه بأشياء.

ثم ذكر من طريق أسد بن موسى: ثنا شريك عن ليث عن طاوس عن ابن عمر قال: لا تسألوا عما لم يكن فإني سمعت عمر يلعن من يسأل عما لم يكن.

ثم ذكر من طريق أبي داود، ثنا إبراهيم بن موسى الرازي، ثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن عبد الله بن سعد عن الصنابحي عن معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات.

وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي بإسناده مثله، وقال: فسره الأوزاعي: يعني صعاب المسائل.

وقال الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عبد الله بن سعد عن عبادة بن قيس الصنابحي عن معاوية بن أبي سفيان أنهم ذكروا المسائل عنده، فقال: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن عضل المسائل؟

قال أبو عمر: واحتجوا أيضا بحديث سهل وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره المسائل

وعابها، وبأنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يكره لكم قيل وقال: وكثرة السؤال» (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت