فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 490

فلضعفه وخوره جعل إصبعيه في أذنيه وغمض عينيه خشية من صاعقة تصيبه.

وقد شاهدنا نحن وغيرنا كثيرا من مخانيث تلاميذ الجهمية والمبتدعة إذا سمعوا شيئا من آيات الصفات وأحاديث الصفات المنافية لبدعتهم رأيتهم عنها معرضين، {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} (51) [المدثر] .

ويقول مخنثهم: سدوا عنا هذا الباب، اقرءوا شيئا غير هذا، وترى قلوبهم مولية، وهم يجمحون لثقل معرفة الرب سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته على عقولهم وقلوبهم.

وكذلك المشركون على اختلاف شركهم إذا جرد لهم التوحيد، وتليت عليهم النصوص المبطلة لشركهم اشمأزت قلوبهم، وثقلت عليهم، ولو وجدوا السبيل إلى سد آذانهم لفعلوا، ولذلك تجد أعداء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقل ذلك عنهم جدا، وأنكرته قلوبهم، وهذا كله شبه ظاهر ومثل محقق من إخوانهم من المنافقين في المثل الذي ضربه لهم بالماء، فإنهم لما تشابهت قلوبهم تشابهت أعمالهم.

مثل المقلّدين

ومنها قوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمََا لََا يَسْمَعُ إِلََّا دُعََاءً وَنِدََاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لََا يَعْقِلُونَ} (171) [البقرة] ، فتضمن هذا المثل ناعقا: أي مصوتا بالغنم وغيرها، ومنعوقا به، وهو الدواب، فقيل: الناعق: العابد، وهو الداعي للصنم، والصنم هو المنعوق به المدعو، وإن حال الكافر في دعائه كحال من ينعق بما لا يسمعه.

هذا قول طائفة منهم: عبد الرحمن بن زيد وغيره.

واستشكل صاحب «الكشاف» [1] ، وجماعة معه هذا القول، وقالوا: قوله: {إِلََّا دُعََاءً وَنِدََاءً} لا يساعد عليه، لأن الأصنام لا تسمع دعاء، ولا نداء، وقد أجيب عن هذا الاستشكال بثلاثة أجوبة:

أحدها: أن «إلا» زائدة، والمعنى بما لا يسمع دعاء ونداء، قالوا: وقد ذكر ذلك الأصمعي في قول الشاعر:

حراجيج ما تنفك إلا مناخة [2]

(1) الزمخشري في تفسيره (1/ 107) .

(2) الحراجيج: النوق، والشعر لذي الرمة في وصف إبل، وشطره:

على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت