بيّنا من قبل في الفصل ص (52) الفرق بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي، وأن الإعجاز العلمي موجود إلى قيام الساعة، أما تفسير القرآن تفسيرا علميّا فمرفوض والتتبع لمؤلفات ابن القيم رحمه الله تعالى والتي منها تمّ جمع تفسيره يلحظ الآتي:
أولا: إن ابن القيم رحمه الله تعالى يحث المسلمين على التفكر والتدبر والنظر في الكون وإلى ما خلق الله من شيء، ليزدادوا إيمانا وتسليما. وهذا واضح في جلّ كتبه خاصة «مفتاح دار السعادة» الذي لا نظير له. فهو يتكلم عن صنع الإنسان وبديع صنعه والكلام على أعضاء الإنسان عضوا عضوا، ثم ينتقل إلى الكلام عن سائر المخلوقات من شمس وقمر ونجوم وكواكب واختلاف الليل والنهار، ثم الحيوانات والحشرات إلى سائر المخلوقات، وفي كل هذا يذكر الحكمة في الخلق والإعجاز في الصنع.
ثانيا: يضع ابن القيم رحمه الله فرقا بينا في النظر في الآيات وأنه نوعان:
الأول: نظر إليها بالبصر الظاهر فيرى مثلا زرقة السماء ونجومها وعلومها وسعتها، وهذا نظر يشارك الإنسان فيه غيره من الحيوانات وليس هو المقصود بالأمر.
والثاني: أن يتجاوز هذا إلى النظر بالبصيرة الباطنة فتفتح له أبواب السماء فيجول في أقطارها وملكوتها وبين ملائكتها ثم يفتح له باب بعد باب حتى ينتهي به سير القلب إلى عرش الرحمن فينظر سعته وعظمته وجلاله ومجده فحينئذ يقوم القلب بين يدي الرحمن مطرقا لهيبته، خاشعا لعظمته، عان لعزته، فيسجد بين يدي الملك الحق المبين سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم المزيد، فهذا سفر القلب وهو في وطنه وداره ومحل ملكه وهذا من أعظم آيات الله وعجائب صنعه» (مفتاح دار السعادة: 217) .
ثم يسرد بعد ذلك ابن القيم سائر المخلوقات ثم يتكلم عن الحكمة في خلقها وعجيب صنعها وقدرة تدبيرها. يذكر الأرض مثلا وما فيها من أرزاق للعباد، فظهرها وطن لهم وبطنها وطن لهم بعد موتهم إلخ. مستشهدا في ذلك بالآيات القرآنية، وأحيانا كثيرة بالأحاديث النبوية فيتكلم بتوسع تارة وبإيجاز أخرى، وهو في كل هذا حاد للأرواح إلى بلاد الأفراح، متزودا للمعاد بهدي خير العباد، متسلحا ببدائع الفوائد، سائرا في طريق
أعلام الموقعين عن رب العالمين، يخطو على مدارج السالكين، بمفتاح دار السعادة، مغيثا للهفان مؤنسا للسائر في طريق الهجرتين مرسلا على أعداء السنة صواعق مرسلة (1) . رحمه الله تعالى. ولو تتبعنا ما ذكره لطال المقام فانظر مفتاح دار السعادة ففيه البيان.