وهي تفرقة وإن كانت لا تنكر، لكنها قد تخفى على أجيال يلبس عليها دينها ويشوش فكرها بحجة لا مكان للدين في الحقل العلمي والمعملي المعاصر، وتفهيمهم أن الدين هو عبادات داخل المسجد فقط ولا علاقة له بالدنيا، ولا مكان له بالخارج، وهو لحية كثة وقميص قصير ومسبحة طويلة فهو عندهم «دروشة» فأكثر منها إن شئت أودع.
ففصلوا بين الدين والدنيا، بين القرآن والسنة، والحكم وواقع الناس. فالإعجاز العلمي كان ولا يزال وسوف يستمر إلى ميراث الله الأرض ومن عليها «ذلكم أن كتابا أنزل قبل أربعة عشر قرنا من الزمان وعرض لكثير من مظاهر هذا الوجود الكونية كخلق السموات والأرض وخلق الإنسان ومع ذلك كله لم يسقط العلم كلمة من كلماته ولم يصادم جزئية من جزئياته، فإذا كان الأمر كذلك فإن هذا بحد ذاته يعتبر إعجازا علميا للقرآن. هذه النتيجة المتولدة على أن القرآن لم ولن يصادم حقيقة علمية لم أر بين علماء المسلمين من أنكرها لا في القديم ولا في الحديث، وكل ما يثار من ضجة وما يسطر في الصحف ما هو إلّا عن التفسير العلمي لا عن الإعجاز العلمي» (2/ 601600) المصدر نفسه.
فالله عزّ وجلّ لا تخفى عليه خافية، ولا يكون إلّا ما أراد وقدر وقضى، فهو خالق كل صانع وصنعته فهو أنزل القرآن وعلمه، وخلق الإنسان وعقله، وقرآنه هو الدال عليه سبحانه، وهو كتابه المقروء والكون كتابه المنظور.
فهذا كتاب بيان وهدى يدلك أن الكون له خالق واحد لا إله إلّا هو الرحمن الرحيم.
ونبهنا في القرآن على ما في كثير من الكون من آيات يراها الناس بين الحين والآخر ليزدادوا إيمانا وتسليما حين يرون إعجاز القرآن العلمي، وهذا ينفع المؤمنين مع إيمانهم وتصديقهم أصلا بالقرآن، وإلّا فأكثر هذه الإعجازات العلمية أظهرت على أيدي غير مؤمنين فلم تنفعهم شيئا وكانت حجة عليهم لا لهم. فالعبرة بالإيمان والتصديق أن القرآن حق، ثم تأتي الآيات الكونية لنرى في أنفسنا والآفاق ما يزيدنا إيمانا ويتبين لنا أنه الحق. والله أعلم وبه أؤمن وله أسلم وأسأله أن يتوفاني على ما توفى عليه عباده الصالحين.
ثانيا: «ابن القيم والتفسير العلمي» بعد بيان الفرق بين التفسير العلمي، والإعجاز العلمي للقرآن، نستطيع أن نقف بعون الله على موقف ابن القيم رحمه الله تعالى من الأمرين وهو ما يأتي في الكلام على منهجه رحمه الله تعالى.