أولا: القرآن الكريم كلام رب العالمين المنزل على قلب خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم كتاب هداية وبيان، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذنه، من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعات، من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام: صراط الله المستقيم. والقرآن مليء بالحث على التفكر والتدبر والنظر في السموات والأرض وفيما خلق الله من جبال وأنهار وبحار وأشجار وكواكب ونجوم إلى سائر مخلوقات الله تعالى جامدة أو حية. وفي أيام الذين خلوا من قبل. وهذا يكاد لا تخلو منه سورة من السور وإن غلب ذلك على السور المكية كالأنعام والنحل وغيرها، مثلا: يقول الله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آيََاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلََا تُبْصِرُونَ} (21) [الذاريات] وكقوله: {أَفَلََا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمََاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبََالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} (20) [الغاشية] إلى كثير من الآيات التي تكلم عنها جمع من العلماء بما عرف بالتفسير العلمي.
يقول العلامة الدكتور / محمد حسين الذهبي رحمه الله تعالى في معنى التفسير العلمي:
نريد بالتفسير العلمي: «التفسير الذي يحكم الاصطلاحات العلمية في عبارات القرآن، ويجتهد في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية منها» «التفسير والمفسرون» (2/ 454) .
وللحديث عن التفسير العلمي في القرآن، وموقف المؤيدين منه والمعارضين، مقام ليس هنا، وإلّا طال المقال عن ضرورة الحال. ومن أحسن من كتب وجمع وحلل الآراء في هذه المسألة مع الاختصار أيضا فضيلة الأستاذ الدكتور / فهد الرومي في كتابه الممتع البديع «اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر» في الفصل الثالث «المنهج العلمي التجريبي في التفسير» (2/ 702545) وقد رجح المؤلف حفظه الله بين الآراء بأقوال جيدة ونظرات ثاقبة (2/ 602) وأرى والله أعلم حسن ما ذهب إليه، وهو عدم رفض وإنكار التفسير العلمي بشرط ضرورية للخوض فيه. ثم يقول بعد ذكره هذه الشروط: «أقول: لا رفض للتفسير العلمي مطلقا، ولا تأييد وتسليم له مطلقين، بل جمعا بين حقيقتين: حقيقة قرآنية ثابتة بالنص الذي لا يقبل الشك، وحقيقة علمية ثابتة بالتجربة والمشاهدة القطعيتين، ومن هنا كنا متفقين كما أسلفنا على أن القرآن الكريم لم ولن يصادم حقيقة علمية، وإنما يقع التصادم عند ما ندعي حقيقة علمية في الكون وهي ليست حقيقة علمية، أو ندعي حقيقة قرآنية، وهي ليست حقيقة قرآنية» (2/ 603) . وقد نبّه الأستاذ المؤلف للفرق بين أمرين هامين وهما: «التفسير العلمي» و «الإعجاز العلمي» . أما أولهما فهو مثار البحث والمناقشة، وأما ثانيهما فأحسبه أمرا مسلما لا جدال فيه ولا إشكال (2/ 600) اه.