باب: منه ليس لشفاء القلوب دواء قط أنفع من القرآن فإنه شفاؤها التام الكامل الذي لا يغادر فيها سقما إلا أبرأه، ويحفظ عليها صحتها المطلقة، ويحميها الحمية التامة من كل مؤذ ومضر، ومع هذا فإعراض أكثر القلوب عنه، وعدم اعتقادها الجازم الذي لا ريب فيه أنه كذلك، وعدم استعماله والعدول عنه إلى الأدوية التي ركبها بنو جنسها حال بينها وبين الشفاء به، وغلبت العوائد واشتد الإعراض، وتمكنت العلل والأدواء المزمنة من القلوب، وتربى المرضى والأطباء على علاج بني جنسهم وما وضعه لهم شيوخهم، ومن يعظمونه ويحسنون به ظنونهم، فعظم المصاب واستحكم الداء، وتركبت أمراض وعلل أعياهم علاجها، وكلما عالجوها بتلك العلاجات الحادثة تفاقم أمرها، وقويت، ولسان الحال ينادي عليهم:
ومن العجائب والعجائب جمة ... قرب الشفاء وما إليه وصول
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ ... والماء فوق ظهورها محمول [1]
ورأى جماعة من السلف أن تكتب له الآيات من القرآن، ثم يشربها. قال مجاهد: لا بأس أن يكتب القرآن، ويغسله، ويسقيه المريض، ومثله عن أبي قلابة. ويذكر عن ابن عباس: أنه أمر أن يكتب لامرأة تعسر عليها ولادها أثر من القرآن ثم يغسل وتسقى. وقال أيوب: رأيت أبا قلابة كتب كتابا من القرآن، ثم غسله بماء، وسقاه رجلا كان به وجع [2] .
هديه صلّى الله عليه وسلّم في رقية اللديغ بالفاتحة
أخرجا في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري، قال: انطلق نفر من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعلهم أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم:
(1) زاد المعاد (4/ 101) .
(2) زاد المعاد (4/ 170) .