ثم يسرد بعد ذلك ابن القيم سائر المخلوقات ثم يتكلم عن الحكمة في خلقها وعجيب صنعها وقدرة تدبيرها. يذكر الأرض مثلا وما فيها من أرزاق للعباد، فظهرها وطن لهم وبطنها وطن لهم بعد موتهم إلخ. مستشهدا في ذلك بالآيات القرآنية، وأحيانا كثيرة بالأحاديث النبوية فيتكلم بتوسع تارة وبإيجاز أخرى، وهو في كل هذا حاد للأرواح إلى بلاد الأفراح، متزودا للمعاد بهدي خير العباد، متسلحا ببدائع الفوائد، سائرا في طريق
أعلام الموقعين عن رب العالمين، يخطو على مدارج السالكين، بمفتاح دار السعادة، مغيثا للهفان مؤنسا للسائر في طريق الهجرتين مرسلا على أعداء السنة صواعق مرسلة [1] . رحمه الله تعالى. ولو تتبعنا ما ذكره لطال المقام فانظر مفتاح دار السعادة ففيه البيان.
ويقول رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيََاتِنََا فِي الْآفََاقِ} [فصلت: 53] «أي أن القرآن حق، فأخبر أنه لا بدّ أن يريهم من آياته المشهودة ما يبيّن لهم أن آياته المتلوة حق» الفوائد ص (23) .
ثالثا: هل الكلام على هذه الآيات وما فيها من علوم كونية، يعتبر هذا تفسيرا علميّا أم بيانا للإعجاز العلمي في القرآن؟
بالنظر إلى ما رجحه كثير من أهل العلم المحققين برفض التفسير العلمي للقرآن بدءا من السابقين أمثال الشاطبي رحمه الله تعالى في الموافقات (2/ 8079) وانتهاء بالدكتور الذهبي رحمه الله تعالى (2/ 469) نقرر أن ابن القيم لا يفسر الآيات تفسيرا علميّا بمفهوم أصحابه، لقيام هذه العلوم على نظريات لا قرار لها ولا بقاء، قد تكون اليوم صائبة وغدا طائشة، بل بعض هذه النظريات تهدم كثيرا من سابقتها مع اشتهارها واستمرارها مدة، كنظرية النسبية «لأينشتين» ) (وغيرها من النظريات العلمية في شتى المجالات وكيف هدمت سابقتها، وفربط تفسير الآيات بمثل هذا عين الخطأ.
لكن لو ذهبنا إلى أن ابن القيم قد أشار إلى الإعجاز العلمي في القرآن في سائر الآيات التي فسرها غيره تفسيرا علميّا، لو ذهبنا لذلك فقد والله أعلم وفقنا.
مثال: تكلم ابن القيم رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آيََاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلََا تُبْصِرُونَ} (21) [الذاريات] . في ما يقرب من أربعين فصلا، وأكثر من (120) صفحة في «التبيان في أقسام القرآن» من (422294) عن بديع صنع الله تعالى في الأرض، ثم الإنسان، تكلم عن الأذنين وسر شقهما في جانبي الوجه والأنف واللسان والأسنان
وعن الحمل وتفاوت مدته وعن الجنين وأحواله ثم سائر أعضاء الإنسان، وفائدة كل عضو وخصائصه وبعض خصائصه التشريحية وهو يحسن في أحيان كثيرة، لكن يخالفه الطب الحديث الدقيق في كثير مما تكلم هو عنه. وأقول خالفه الطب لا خالف الطب لأنه متقدم وهذا التقدم الطبي حديث فقد يتحدث عن الطحال مثلا بخلاف ما وصل إليه العلم
(1) وصيف لطيف أدرج فيه المؤلف عناوين متفرقة من مؤلفات ابن القيم رحمه الله تعالى.