عنه الكفر بما معه من آياتنا، قال مجاهد وعطاء: لرفعنا عنه الكفر بالإيمان وعصمناه. وهذا المعنى حق، والأول هو مراد الآية، وهذا من لوازم المراد [1] .
وقد تقدم أن السلف كثيرا ما ينبهون على لازم معنى الآية، فيظن الظان أن ذلك هو المراد منها.
وقوله: {وَلََكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} ، قال سعيد بن جبير: ركن إلى الأرض. وقال مجاهد: سكن. وقال مقاتل: رضي بالدنيا. وقال أبو عبيدة: لزمها وأبطأ. والمخلد من الرجال: هو الذي يبطئ مشيته، ومن الدواب: التي تبقى ثناياه إلى أن تخرج رباعيته. وقال الزجاج: خلد وأخلد، وأصله من الخلود، وهو الدوام والبقاء، ويقال: أخلد فلان بالمكان إذا أقام به، قال مالك بن نويرة:
بأبناء حي من قبائل مالك ... وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا
قلت: ومنه قوله تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدََانٌ مُخَلَّدُونَ} (17) [الواقعة] ، أي قد خلقوا للبقاء، لذلك لا يتغيرون ولا يكبرون، وهم على سن واحد أبدا.
وقيل: هم المقرطون في آذانهم والمسورون في أيديهم، وأصحاب هذا القول فسروا اللفظة ببعض لوازمها، وذلك أمارة التخليد على ذلك السن، فلا تنافي بين القولين.
وقوله: {وَاتَّبَعَ هَوََاهُ} ، قال الكلبي: اتبع مسافل الأمور، وترك معاليها.
وقال أبو روق [2] : اختار الدنيا على الآخرة، وقال عطاء: أراد الدنيا، وأطاع شيطانه، وقال ابن زيد: كان هواه مع القوم، يعني: الذين حاربوا موسى وقومه، وقال يمان: اتبع امرأته، لأنها هي التي حملته على ما فعل.
فإن قيل: الاستدراك ب «لكن» يقتضي أن يثبت بعدها ما نفي قبلها، أو نفي ما أثبت، كما تقول: لو شئت لأعطيته، لكني لم أعطه، ولو شئت لما فعلت كذا لكني فعلته.
فالاستدراك يقتضي: ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنا لم نرفع، ولكنه أخلد، فكيف استدرك بقوله: {وَلََكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} بعد قوله: {وَلَوْ شِئْنََا لَرَفَعْنََاهُ بِهََا} ؟
قيل: هذا من الكلام الملحوظ فيه جانب المعنى المعدول فيه عن مراعاة الألفاظ إلى المعاني، وذلك أن مضمون قوله: {وَلَوْ شِئْنََا لَرَفَعْنََاهُ بِهََا} أنه لم يتعاط الأسباب التي تقتضي
(1) راجع الطبري (9/ 127) .
(2) أبو روق، هو عطية بن الحارث، صاحب التفسير، صدوق، انظر تهذيب التهذيب (7/ 224) .