أولا: منزلة الصحابة رضي الله عنهم من المكانة بما لا يحتاج لبيان، فهم من الشأن والرفعة لا يعلو عليهم أحد سوى الأنبياء عليهم السّلام. وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرجون عن قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللََّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولََئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللََّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدََاءِ
وَالصََّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولََئِكَ رَفِيقًا (69) [النساء] فهم الجامعة الإسلامية حقا والجماعة المؤمنة الأولى الذين تربوا على يد خير الناس صلى الله عليه وسلم.
وقد اهتم إمامنا ابن القيم رحمه الله تعالى أيما اهتمام بأمر اتباع الصحابة، بل بيان وجوب ذلك في أكثر من موضع من كتبه أهمها ما ذكره في «إعلام الموقعين» (4/ 155) .
وبيان الدلالة على اتباعهم مطلقا مجتمعين ومنفردين، والرد على من خالف ذلك. وهذا ما أدين به لرب العالمين ولا نحيد عنه إلى يوم الدين، فإن الصحابة رضي الله عنهم خير الناس وأتقاهم وأعلمهم بعد رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم.
«وقد نهج ابن القيم رحمه الله تعالى في مسائل العلم منهج الاسترواح والتطلب من كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، فإن لم يجد أخذ بأزمة أقوال الصحابة رضي الله عنهم: لأنهم أبر الأمة قلوبا وأعمقها دينا، وأصحها فهوما.
وهذه صفة بارزة وسمة ظاهرة في جميع مباحثه في العقائد والأحكام، ولهذا أفاض رحمه الله تعالى بالاستدلال لهذا الأصل ووجوب الأخذ به والعمل بموجبه» [1] وهذا الفصل في وجوب اتباع الصحابة رضي الله عنهم يعض عليه بالنواجذ فقد لا تجده في غير مكانه.
ثانيا: موقف ابن القيم من تفسير الصحابة رضي الله عنهم. بعد أن عرفنا مكانتهم في مصنفاته العقدية والفقهية، نرى فيما استطعنا جمعه من تفسيره أنه رحمه الله تعالى يجعل هذا من الأصول العظيمة في التفسير، وإليك بعض الشذرات.
يقول مثلا في «التبيان في أقسام القرآن» (229) :
«الوجه العاشر: ما رواه سعيد بن منصور في سننه: حدثنا الأحوص، حدثنا عاصم الأحول، عن أنس بن مالك في قوله: {لََا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (79) قال: المطهرون الملائكة، وهذا عند طائفة من أهل الحديث في حكم المرفوع، قال الحاكم [2] : تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع، ومن لم يجعله مرفوعا فلا ريب أنه عنده أصح من تفسير من بعد الصحابة، والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن ويجب الرجوع إلى تفسيرهم» فهنا أوجب الرجوع إلى تفسيرهم كما أوجب فيما سبق اتباعهم وطاعتهم.
(1) بكر أبو زيد (89) .
(2) راجع ص (300) من سورة الأعراف.