فهرس الكتاب

الصفحة 467 من 490

الأحكام والحكم والفوائد منه، فهؤلاء بمنزلة الأرض التي قبلت الماء، وهذا بمنزلة للحفظ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وهذا هو الفهم فيه والمعرفة والاستنباط، فإنه بمنزلة إنبات الكلأ والعشب بالماء، فهذا مثل الحفاظ الفقهاء أهل الرواية والدراية.

القسم الثاني: أهل الحفظ الذين رزقوا حفظه ونقله وضبطه، ولم يرزقوا تفقها في معانيه ولا استنباطا ولا استخراجا لوجوه الحكم والفوائد منه، فهم بمنزلة من يقرأ القرآن ويحفظه، ويراعي حروفه وإعرابه ولم يرزق فيه فهما خاصا عن الله، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

«إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه» .

والناس متفاوتون في الفهم عن الله ورسوله أعظم تفاوت فرب شخص يفهم من النص حكما أو حكمين ويفهم منه الآخر مائة أو مائتين، فهؤلاء بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس فانتفعوا به، هذا يشرب منه، وهذا يسقى، وهذا يزرع، فهؤلاء القسمان هم السعداء، والأولون أرفع درجة وأعلى قدرا {ذََلِكَ فَضْلُ اللََّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ وَاللََّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (4) [الحديد] .

القسم الثالث: الذين لا نصيب لهم منه لا حفظا ولا فهما ولا رواية ولا دراية، بل هم بمنزلة الأرض التي هي قيعان لا تنبت ولا تمسك الماء، وهؤلاء هم الأشقياء. والقسمان الأولان اشتركا في العلم والتعليم كل بحسب ما قبله ووصل إليه، فهذا يعلم ألفاظ القرآن ويحفظها، وهذا يعلم معانيه وأحكامه وعلومه، والقسم الثالث لا علم ولا تعليم، فهم الذين لم يرفعوا بهدي الله رأسا ولم يقبلوه، وهؤلاء شر من الأنعام، وهو وقود النار.

فقد اشتمل هذا الحديث الشريف العظيم على التنبيه على شرف العلم والتعليم وعظم موقعه، وشقاء من ليس من أهله، وذكر أقسام بني آدم بالنسبة فيه إلى شقيهم وسعيدهم، وتقسم سعيدهم إلى سابق مقرب وصاحب يمين مقتصد، وفيه دلالة على أن حاجة العباد إلى العلم كحاجتهم إلى المطر بل أعظم، وأنهم إذا فقدوا العلم فهم بمنزلة الأرض التي فقدت الغيث.

قال الإمام أحمد: الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين، والعلم يحتاج إليه بعدد الأنفاس.

وقد قال تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمََاءِ مََاءً فَسََالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهََا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رََابِيًا وَمِمََّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النََّارِ ابْتِغََاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتََاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذََلِكَ يَضْرِبُ اللََّهُ الْحَقَّ وَالْبََاطِلَ} [الرعد: 17] . شبه سبحانه العلم الذي أنزله على رسوله بالماء الذي أنزله من السماء لما يحصل لكل واحد منهما من

الحياة، ومصالح العباد في معاشهم ومعادهم، ثم شبه القلوب بالأودية، فقلب كبير يسع علما كثيرا كواد عظيم يسع ماء كثيرا، وقلب صغير إنما يسع علما قليلا كواد صغير إنما يسع ماء قليلا، فقال: {فَسََالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهََا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رََابِيًا} ، هذا مثل ضربه الله تعالى للعلم حين تخالط القلوب بشاشته، فإنه يستخرج منها زبد الشبهات الباطلة فيطفوا على وجه القلب، كما يستخرج السيل من الوادي زبدا يعلو فوق الماء، وأخبر سبحانه أنه راب يطفو ويعلو على الماء لا يستقر في أرض الوادي، كذلك الشبهات الباطلة إذا أخرجها العلم ربت فوق القلوب وطغت، فلا يستقر فيه، بل تجفى وترمى، فيستقر في القلب ما ينفع صاحبه والناس من الهدى ودين الحق، كما يستقر في الوادي الماء الصافي ويذهب الزبد جفاء، وما يعقل عن الله أمثاله إلا العالمون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت