فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 490

أحدهما: ردها بالمتشابه من القرآن أو من السنن.

الثاني: جعلهم المحكم متشابها، ليعطلوا دلالته.

وأما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، كالشافعي، والإمام أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، والبخاري، وإسحاق، فعكس هذه الطريقة، وهي أنهم يردون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه، ويبينه لهم. فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضها بعضا، ويصدق بعضها بعضا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله. فلا اختلاف فيه، ولا تناقض. وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره، ولنذكر لهذا الأصل أمثلة لشدة حاجة كل مسلم إليه أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب.

المثال الأول: رد الجهمية النصوص المحكمة غاية الإحكام، المبينة بأقصى غاية البيان: أن الله موصوف بصفات الكمال، من العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام والسمع والبصر والوجه واليدين والغضب والرضا والفرح والضحك والرحمة والحكمة، وبالأفعال كالمجيء والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا، ونحو ذلك.

والعلم بمجيء الرسول بذلك، وإخباره به عن ربه إن لم يكن فوق العلم بوجوب الصلاة والصيام والحج والزكاة وتحريم الظلم والفواحش والكذب، فليس يقصر عنه، فالعلم الضروري حاصل بأن الرسول أخبر عن الله بذلك، وفرض على الأمة تصديقة فيه فرضا لا يتم أصل الإيمان إلا به.

فرد الجهمية ذلك بالمتشابه من قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، ومن قوله:

{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] ، ومن قوله: {قُلْ هُوَ اللََّهُ أَحَدٌ} (1) [الإخلاص: 1] .

ثم استخرجوا من هذه النصوص المحكمة المبينة احتمالات وتحريفات جعلوها به من قسم المتشابه [1] .

(1) في معنى المحكم والمتشابه أكثر من عشرة أقوال ذكرها السيوطي في الإتقان في الباب الثالث والأربعين، ثم ذكر الاختلاف في معرفة المتشابه هل مما يمكن الاطلاع عليه أم لا!! ومدار الخلاف على فهم قوله تعالى: {وَمََا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللََّهُ وَالرََّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} وهل قوله تعالى {وَالرََّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}

معطوفا، ويقولون «حال أو مبتدأ خبره يقولون والواو للاستئناف. إلخ ثم بين اختيار الجمهرة من العلماء إلى أن أولى العلم مما يعلم تأويله، وذهب إلى ذلك النووي في شرحه على مسلم وقال ابن الحاجب: وهو الأظهر. وفي المسألة تفصيل انظرها في موضعه، الإتقان (2/ 2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت