القرآن كيف أكد الوصف بالسميع العليم بذكر صيغة «هو» الدال على تأكيد النسبة واختصاصها، وعرف الوصف بالألف واللام في سورة «حم» لاقتضاء المقام لهذا التأكيد، وتركه في سورة الأعراف لاستغناء المقام عنه.
فإن الأمر بالاستعاذة في سورة «حم» وقع بعد الأمر بأشق الأشياء على النفس وهو مقابلة إساءة المسيء بالإحسان إليه، وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الصابرون، ولا يلقاه إلا ذو حظ عظيم كما قال الله تعالى، والشيطان لا يدع العبد يفعل هذا بل يريه أن هذا ذل وعجز ويسلط عليه عدوه فيدعوه إلى الانتقام ويزينه له فإن عجز عنه دعاه إلى الإعراض عنه، وألا يسيء إليه، ولا يحسن فلا يؤثر الإحسان إلى المسيء إلا من خالفه وآثر الله وما عنده على حظ العاجل فكان المقام مقام تأكيد وتحريض فقال فيه: {وَإِمََّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطََانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (36) [فصلت] ، وأما في سورة الأعراف، فإنه أمره أن يعرض عن الجاهلين، وليس فيها الأمر بمقابلة إساءتهم بالإحسان، بل بالإعراض وهذا سهل على النفوس غير مستعص عليها، فليس حرص الشيطان وسعيه في دفع هذا كحرصه على دفع المقابلة بالإحسان فقال: {وَإِمََّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطََانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (200) [الأعراف] ، وقد تقدم ذكر الفرق بين هذين الموضعين، وبين قوله في «حم» المؤمن {فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [غافر: 56] ، وفي صحيح البخاري عن عدي بن ثابت، عن سليمان بن صرد قال: كنت جالسا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم ورجلان يستبان:
فأحدهما احمر وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد» [1] .
الحرز الثاني: قراءة هاتين السورتين فإن لهما تأثيرا عجيبا في الاستعاذة بالله من شره ودفعه والتحصن منه ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما تعوذ المتعوذون بمثلهما» [2] ، وقد تقدم أنه كان يتعوذ بهما كل ليلة عند النوم وأمر عقبة أن يقرأ بهما دبر كل صلاة، وتقدم قوله صلّى الله عليه وسلّم:
«إن من قرأهما مع سورة الإخلاص ثلاثا حين يمسي وثلاثا حين يصبح كفته من كل شيء» [3] .
(1) البخاري (6115) في الأدب، باب: الحذر من الغضب.
(2) أبو داود (1463) في الصلاة، باب: في المعوذتين، والنسائي (5431) في الاستعاذة.
(3) أبو داود (5082) في الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح، والترمذي (3575) في الدعوات، باب:
(117) ، وقال: «حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه» .