فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 490

وقد جمع سبحانه بين الأمرين أعني القرآن ونطق اللسان وجعل تعليمهما من تمام نعمته وامتنانه. كما قال: {الرَّحْمََنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسََانَ * عَلَّمَهُ الْبَيََانَ}

[الرحمن: 41] ، فهذه الحروف علم القرآن، وبها علم البيان، وبها فضل الإنسان على سائر أنواع الحيوان، وبها أنزل كتبه، وبها أرسل رسله، وبها جمعت العلوم وحفظت، وبها

انتظمت مصالح العبادة في المعاش والمعاد، وبها يتميز الحق من الباطل، والصحيح من الفاسد، وبها جمعت أشتات العلوم، وبها أمكن تنقلها في الأذهان، وكم جلب بها من نعمة، ودفع بها من نقمة؟ وأقيلت بها من عثرة، وأقيمت بها من حرمة، وهدي بها من ضلالة، وأقيم بها من حق، وهدم بها من باطل؟ فآياته سبحانه في تعليم البيان كآياته في خلق الإنسان. ولولا عجائب صنع الله، ما ثبتت تلك الفضائل في لحم ولا عصب.

فسبحان من هذا صنعه في هواء يخرج من قصبة الرئة، فينضم في الحلقوم، ويفرش في أقصى الحلق، ووسطه، وآخره، وأعلاه، وأسفله، وعلى وسط اللسان وأطرافه وبين الثنايا، وفي الشفتين، والخيشوم. فيسمع له عند كل مقطع من تلك المقاطع صوت غير صوت المقطع المجاور له، فإذا هو حرف، فألهم سبحانه الإنسان بضم بعضها إلى بعض فإذا هي كلمات قائمة بأنفسها، ثم ألهمهم تأليف تلك الكلمات بعضها إلى بعض، فإذا هي كلام دال على أنواع المعاني، أمرا ونهيا، وخبرا، واستخبارا ونفيا، وإثباتا، وإقرارا، وإنكارا، وتصديقا، وتكذيبا، وإيجابا، واستحبابا، وسؤالا، وجوارا، إلى غير ذلك من أنواع الخطاب، نظمه ونثره، ووجيزه، ومطوله، على اختلاف لغات الخلائق [1] .

كل ذلك صنعته تبارك وتعالى، في هواء مجرد خارج من باطن الإنسان إلى ظاهره، في مجار قد هيئت، وأعدت لتقطيعه وتفصيله، ثم تأليفه وتوصيله، فتبارك الله رب العالمين، وأحسن الخالقين، فهذا شأن الحرف المخلوق.

وأما الحرف الذي به تكون المخلوقات فشأنه أعلى، وأجل.

وإذا كان هذا شأن الحروف فحقيق أن تفتتح بها السور، كما افتتحت بالأقسام لما فيها من آيات الربوبية وأدلة الوحدانية، فهي دالة على كمال قدرته سبحانه، وكمال علمه، وكمال حكمته، وكمال رحمته، وعنايته بخلقه، ولطفه وإحسانه. وإذا أعطيت الاستدلال بها حقه استدللت بها على المبدأ والمعاد، والخلق والأمر، والتوحيد والرسالة، فهي من أظهر أدلة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن القرآن كلام الله، تكلم به حقا وأنزله على رسوله وحيا، وبلغه كما أوحي إليه صدقا، ولا تهمل الفكرة في كل سورة افتتحت بهذه الحروف، واشتمالها على آيات هذه المطالب وتقريرها، وبالله التوفيق [2] .

(1) أصبح البحث في هذا الأمر علما مستقلا من علوم اللغة تبحث في علم الأصوات الذي بدوره يبحث في الصوت الإنساني ومخارجه وبيان الصامت والمتحرك وأصوات العلة والبر والتقييم إلخ ومن أشهر علمائه في عصرنا الدكتور رمضان عبد التواب رحمه الله تعالى، انظر له «المدخل إلى علم اللغة» .

(2) التبيان (206203) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت