أنهم لن يفعلوا ذلك أبدا. فهذا لا يقدم عليه ويخبر به إلا عن علم لا يخالجه شك مستند إلى وحي من الله تعالى، وإلا فعلم البشر وقدرته يضعفان عن ذلك.
وثالثهما: النظر إلى نفس ما تحدى به وما اشتمل عليه من الأمور التي تعجز قوى البشر على الإتيان بمثله، الذي فصاحته ونظمه وبلاغته فرد من أفراد إعجازه.
وهذا الوجه يكون معجزة لمن سمعه وتأمله وفهمه، وبالوجهين الأولين يكون معجزة لكل من بلغه خبره ولو لم يفهمه ولم يتأمله. فتأمل هذا الموضع من إعجاز القرآن تعرف فيه قصور من المتكلمين، وتقصيرهم في بيان إعجازه، وأنهم لن يوفوه معشار حقه، حتى قصر بعضهم الإعجاز على صرف [1] الدواعي عن معارضته مع القدرة عليها، وبعضهم قصر الإعجاز على مجرد فصاحته وبلاغته، وبعضهم على مخالفة أسلوب نظمه لأساليب نظم الكلام، وبعضهم على ما اشتمل عليه من الإخبار بالغيوب، إلى غير ذلك من الأقوال القاصرة التي لا تشفي ولا تجدي [2] ، وإعجازه فوق ذلك ووراء ذلك كله، فإذا ثبتت النبوة بهذه الحجة القاطعة فقد وجب على الناس تصديق الرسول في خبره وطاعة أمره، وقد أخبر عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وعن المعاد والجنة والنار فثبتت صحة ذلك يقينا [3] .
(1) انظر المقدمة في هذه المسألة.
(2) لكن هذه الأنواع من أنواع الإعجاز حق وما ذهب إليه ابن القيم من إن إعجاز القرآن فوق كل هذا حق أيضا، وفوق كل ذي علم عليم.
(3) بدائع الفوائد (4/ 136134) .