{وَآبََاءَهُمْ حَتََّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكََانُوا قَوْمًا بُورًا} (18) [الفرقان] .
وفيها قراءتان: أشهرهما: (نتّخذ) بفتح النون وكسر الخاء، على البناء للفاعل، وهي قراءة السبعة.
والثانية: (نتّخذ) بضم النون وفتح الخاء، على البناء للمفعول وهي قراءة الحسن ويزيد بن القعقاع.
وعلى كل واحدة من القراءتين إشكال [1] :
فأما قراءة الجمهور، فإن الله سبحانه إنما سألهم: هل أضلوا المشركين بأمرهم إياهم بعبادتهم، أم هم ضلوا السبيل باختيارهم وأهوائهم؟ وكيف يكون هذا الجواب مطابقا للسؤال؟ فإنه لم يسألهم: هل اتخذتم من دوني أولياء، حتى يقولوا: {مََا كََانَ يَنْبَغِي لَنََا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيََاءَ} [الفرقان: 18] ، وإنما سألهم: هل أمرتم عبادي هؤلاء بالشرك، أم هم أشركوا من قبل أنفسهم؟ فالجواب المطابق أن يقولوا: لم نأمرهم بالشرك، وإنما هم آثروه وارتضوه، أو لم نأمرهم بعبادتنا، كما قال في الآية الأخرى عنها: {تَبَرَّأْنََا إِلَيْكَ مََا كََانُوا إِيََّانََا يَعْبُدُونَ} [القصص: 63] .
فلما رأى أصحاب القراءة الأخرى ذلك فروا إلى بناء الفعل للمفعول. وقالوا: الجواب يصح على ذلك، ويطابق. إذ المعنى: ليس يصلح لنا أن نعبد ونتخذ آلهة فكيف نأمرهم بما لا يصلح لنا، ولا يحسن منا؟
ولكن لزم هؤلاء من الإشكال أمر آخر، وهو قوله: {مِنْ أَوْلِيََاءَ} ، فإن زيادة «من» لا يحسن إلا مع قصد العموم، كما تقول: ما قام من رجل، وما ضربت من رجل. فأما إذا كان النفي واردا على شيء مخصوص، فإنه لا يحسن زيادة «من» فيه، وهم إنما نفوا عن أنفسهم ما نسب إليهم من دعوى المشركين: أنهم أمروهم بالشرك، فنفوا عن أنفسهم ذلك بأنه لا تحسن منهم، ولا يليق بهم أن يعبدوا، فكيف ندعو عبادك إلى أن يعبدونا؟ فكان الجواب على هذا: أن تقرأ: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ أولياء من دونك، أو من دونك أولياء.
فأجاب أصحاب القراءة الأولى بوجوه:
أحدها: أن المعنى: ما كان ينبغي لنا أن نعبد غيرك، ونتخذ غيرك وليا ومعبودا.
(1) انظر المحتسب لابن جني (2/ 120119) وبدائع التفسير (3/ 285) .