فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 490

ظهور أعدائهم على الجبل فوقهم، وليس المراد غمين اثنين خاصة، بل غما متتابعا لتمام الابتلاء والامتحان.

الثالث: أن قوله: «بغم» ، من تمام الثواب، لا أنه سبب جزاء الثواب، والمعنى:

أثابكم غمّا متصلا بغم، جزاء على ما وقع منهم من الهروب وإسلامهم نبيهم صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وترك استجابتهم له وهو يدعوهم، ومخالفتهم له في لزوم مركزهم، وتنازعهم في الأمر، وفشلهم، وكل واحد من هذه الأمور يوجب غما يخصه، فترادفت عليهم الغموم كما ترادفت منهم أسبابها وموجباتها، ولولا أن تداركها بعفوه، لكان أمرا آخر، ومن لطفه بهم، ورأفته، ورحمته، أن هذه الأمور التي صدرت منهم، كانت من موجبات الطباع، وهي من بقايا النفوس التي تمنع من النصرة المستقرة، فقيض لهم بلطفه أسبابا أخرجها من القوة إلى الفعل، فترتب عليها آثارها المكروهة، فعلموا حينئذ أن التوبة منها والاحتراز من أمثالها، ودفعها بأضدادها أمر متعين، لا يتم لهم الفلاح والنصرة الدائمة المستقرة إلا به، فكانوا أشد حذرا بعدها، ومعرفة بالأبواب التي دخل عليهم منها:

وربّما صحّت الأجسام بالعلل [1]

ثم إنه تداركهم سبحانه برحمته، وخفف عنهم ذلك الغم، وغيبه عنهم بالنعاس الذي أنزله عليهم أمنا منه ورحمة، والنعاس في الحرب علامة النصرة والأمن، كما أنزله عليهم يوم بدر، وأخبر أن من لم يصبه ذلك النعاس، فهو ممن أهمّته نفسه لا دينه ولا نبيه ولا أصحابه، وأنهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله، بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره يضمحل، وأنه يسلمه للقتل، وقد فسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره، ولا حكمة له فيه، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله ويظهره على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون به سبحانه وتعالى في «سورة الفتح» ، حيث يقول: {وَيُعَذِّبَ الْمُنََافِقِينَ وَالْمُنََافِقََاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكََاتِ الظََّانِّينَ بِاللََّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دََائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللََّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسََاءَتْ مَصِيرًا} (6) [الفتح] ، وإنما كان هذا ظن السوء، وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل، وظن غير الحق، لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، بخلاف ما يليق بحكمته وحمده، وتفرده بالربوبية

(1) عجز بيت للمتنبي، وصدره:

لعلّ عتبك محمود عواقبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت