فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 490

ثم عزى نبيه وأولياءه عمن قتل منهم في سبيله أحسن تعزية، وألطفها وأدعاها إلى الرضى بما قضاه لها، فقال: {وَلََا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللََّهِ أَمْوََاتًا بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمََا آتََاهُمُ اللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلََّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلََا هُمْ يَحْزَنُونَ} (170) [آل عمران] ، فجمع لهم الحياة الدائمة منزلة القرب منه، وأنهم عنده، وجريان الرزق المستمر عليهم، وفرحهم بما آتاهم من فضله، وهو فوق الرضا، بل هو كمال الرضا، واستبشارهم بما يجدد لهم كل وقت من نعمته وكرامته. وذكرهم سبحانه في أثناء هذه المحنة بما هو من أعظم مننه ونعمه عليهم، التي إن قابلوا بها كل محنة تنالهم

وبلية، تلاشت في جنب هذه المنة والنعمة، ولم يبق لها أثر البتة، وهي: منته عليهم بإرسال رسول من أنفسهم إليهم، يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وينقذهم من الضلال الذي كانوا فيه قبل إرساله إلى الهدى، ومن الشقاء إلى الفلاح، ومن الظلمة إلى النور، ومن الجهل إلى العلم. فكل بلية ومحنة تنال العبد بعد حصول هذا الخير العظيم له أمر يسير جدا في جنب الخير الكثير، كما ينال الناس بأذى المطر في جنب ما يحصل لهم به من الخير، فأعلمهم أن سبب المصيبة من عند أنفسهم، ليحذروا، وأنها بقضائه وقدره ليوحّدوا ويتكلوا، ولا يخافوا غيره، وأخبرهم بما لهم فيها من الحكم، لئلا يتهموه في قضائه وقدره، وليتعرف إليهم بأنواع أسمائه وصفاته، وسلّاهم بما أعطاهم مما هو أجل قدرا، وأعظم خطرا مما فاتهم من النصر والغنيمة، وعزّاهم عن قتلاهم بما نالوه من ثوابه وكرامته، لينافسوهم فيه، ولا يحزنوا عليهم، فله الحمد كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه، وعزّ جلاله [1] .

باب منه: قال الله تعالى: {وَمََا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلََكِنَّ اللََّهَ رَمى ََ} [الأنفال: 17] .

قلت: اعتقد جماعة أن المراد بالآية: سلب فعل الرسول صلى الله عليه وسلم عنه، وإضافته إلى الرب تعالى. وجعلوا ذلك أصلا في الجبر، وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد. وتحقيق نسبتها إلى الرب وحده، وهذا غلط منهم في فهم القرآن. فلو صح ذلك لوجب طرده في جميع الأعمال. فيقال: ما صليت إذ صليت، وما صمت إذ صمت، وما ضحيت إذ ضحيت، ولا فعلت كل فعل إذ فعلته، ولكن الله فعل ذلك. فإن طردوا ذلك لزمهم في جميع أفعال العباد طاعتهم ومعاصيهم إذ لا فرق. فإن خصوه بالرسول صلى الله عليه وسلم وحده وأفعاله جميعا، أو رميه وحده: تناقضوا، فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية.

وبعد، فهذه الآية نزلت [2] في شأن رميه صلى الله عليه وسلم المشركين يوم بدر بقبضة من الحصباء، فلم تدع وجه أحد منهم إلا أصابته، ومعلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ، فكان منه صلى الله عليه وسلم مبدأ الرمي، وهو الحذف، ومن الله سبحانه وتعالى نهايته، وهو الإيصال، فأضاف

(1) زاد المعاد (3/ 244218) .

(2) ذكر ذلك ابن إسحاق (2/ 46) والطبراني في الكبير (3/ 203) من حديث حكيم ابن حزام رضي الله عنه، وقال الهيثمي «إسناده حسن» (6/ 84) ورواه في الكبير أيضا (11/ 285) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت