فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 490

وهذان مثلان متضمنان قياسين من قياس العكس، وهو نفي الحكم بنفي علته، وموجبه.

فإن القياس نوعان: قياس طرد: يقتضي إثبات الحكم في الفرع لثبوت علة الأصل فيه، وقياس عكس: يقتضي نفي الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه.

فالمثل الأول ما ضربه الله سبحانه لنفسه وللأوثان، فالله سبحانه هو المالك لكل شيئ، ينفق كيف يشاء على عبيده سرا وجهرا، وليلا ونهارا يمينه ملأى، لا يغيضها نفقة، سحّاء الليل والنهار [1] .

والأوثان مملوكة عاجزة لا تقدر على شيء، فكيف يجعلونها شركاء لي ويعبدونها من دوني مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين؟ هذا قول مجاهد وغيره.

وقال ابن عباس: هو مثل ضربه الله للمؤمنين والكفار، ومثل المؤمن في الخير الذي عنده ثم رزقه منه رزقا حسنا فهو ينفق على نفسه وعلى غيره سرا وجهرا، والكافر بمنزلة عبد مملوك، عاجز لا يقدر على شيء، لأنه لا خير عنده، فهل يستوي الرجلان عند أحد العقلاء؟

والقول الأول أشبه بالمراد، فإنه أظهر في بطلان الشرك، وأوضح عند المخاطب، وأعظم في إقامة الحجة، وأقرب نسبا بقوله: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللََّهِ مََا لََا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلََا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلََا تَضْرِبُوا لِلََّهِ الْأَمْثََالَ إِنَّ اللََّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لََا تَعْلَمُونَ} (74) [النحل: 7473] ، ثم قال: {ضَرَبَ اللََّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لََا يَقْدِرُ عَلى ََ شَيْءٍ} [النحل: 75] ومن لوازم هذا المثل وأحكامه أن يكون المؤمن الموحد كمن رزقه منه رزقا حسنا. والكافر المشرك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، فهذا نبّه عليه المثل، وأرشد إليه فذكره ابن عباس منبها على إرادته، لا أن الآية اختصت به، فتأمله فإنك تجده كثيرا في كلام ابن عباس، وغيره من السلف في فهم القرآن فيظن الظان أن ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره، فيحكيه قوله.

وأما المثل الثاني، فهو مثل ضربه الله سبحانه وتعالى لنفسه، ولما يعبد من دونه أيضا، فالصنم الذي يعبد من دونه بمنزلة رجل أبكم، لا يعقل، ولا ينطق بل هو أبكم القلب واللسان، قد عدم النطق القلبي واللساني، ومع هذا فهو عاجز لا يقدر على شيء

(1) يشير للحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه «أنفق ينفق عليك» إلخ، رواه البخاري (4316) في التفسير، ومسلم (1659) في الزكاة ورواه غيرهما. ومعنى سحاء: أي دائمة العطاء والفيض، لا حد لما تجود به، سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت