فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 490

ببطلانه، وبحصول ضد ما كان يؤمله فلم يذهب عليه عمله واعتقاده، لا له ولا عليه، بل صار معذبا بفوات نفعه، وبحصول ضد النفع، فلهذا قال تعالى: {وَوَجَدَ اللََّهَ عِنْدَهُ فَوَفََّاهُ حِسََابَهُ وَاللََّهُ سَرِيعُ الْحِسََابِ} . فهذا مثل الضال الذي يحسب أنه على هدى.

النوع الثاني: أصحاب مثل الظلمات المتراكمة، وهم الذين عرفوا الحق والهدى وآثروا عليه ظلمات الباطل والضلال، فتراكمت عليهم ظلمة الطبع، وظلمة النفوس، وظلمة الجهل، حيث لم يعملوا بعلمهم فصاروا جاهلين، وظلمة اتباع الغي والهوى، فحالهم كحال من كان في بحر لجي لا ساحل له، وقد غشيه موج، ومن فوق ذلك الموج موج، ومن فوقه سحاب مظلم، فهو في ظلمة البحر، وظلمة الموج، ظلمة السحاب، وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يخرجه الله منها إلى نور الإيمان.

وهذان المثلان بالسراب الذي ظنه مادة الحياة، وهو الماء، والظلمات المضادة للنور، نظير المثلين اللذين ضربهما الله للمنافقين والمؤمنين، وهو المثل المائي، والمثل الناري، وجعل حظ المؤمنين منهما الحياة والإشراق، وحظ المنافقين منهما الظلمة المضادة للنور، والموت المضاد للحياة. فكذلك الكفار في هذين المثلين حظهم من الماء السراب الذي يغر الناظر، ولا حقيقة له، وحظهم الظلمات المتراكمة. وهذا يجوز أن يكون المراد به حال كل طائفة من طوائف الكفار، وأنهم عدموا مادة الحياة والإضاءة بإعراضهم عن الوحي، فيكون المثلان صفتين لموصوف واحد.

ويجوز أن يكون المراد به تنويع أحوال الكفار، وأن أصحاب المثل الأول هم الذين عملوا على غير علم ولا بصيرة، بل على جهل وحسن ظن بالأسلاف فكانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وأصحاب المثل الثاني هم الذين استحبوا الضلالة على الهدى، وآثروا الباطل على الحق، وعموا عنه بعد أن أبصروه وجحدوه بعد أن عرفوه.

فهذا حال المغضوب عليهم، والأول حال الضالين.

وحال الطائفتين مخالف حال المنعم عليهم المذكورين في قوله تعالى: {* اللََّهُ نُورُ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكََاةٍ فِيهََا مِصْبََاحٌ الْمِصْبََاحُ فِي زُجََاجَةٍ} إلى قوله: {لِيَجْزِيَهُمُ اللََّهُ أَحْسَنَ مََا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللََّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشََاءُ بِغَيْرِ حِسََابٍ} (38) [النور: 3835] فتضمنت الآيات أوصاف الفرق الثلاثة المنعم عليهم: وهم أهل النور، والضالين: وهم أصحاب السراب، والمغضوب عليهم: وهم أهل الظلمات المتراكمة، والله أعلم.

فالمثل الأول من المثلين: لأصحاب العلم الذي لا ينفع، والاعتقادات الباطلة،

وكلاهما مضاد للهدى ودين الحق، ولهذا مثل حال الفريق الثاني في تلاطم أمواج الشكوك والشبهات والعلوم الفاسدة في قلوبهم بتلاطم أمواج البحر فيه، وأنها أمواج متراكمة من فوقها سحاب مظلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت