وهذا يدل على أن قبح «المن، والأذى، والرياء» مستقر في العقول، فلذلك نبهها على شبهه ومثاله.
وعكس ذلك قوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمُ ابْتِغََاءَ مَرْضََاتِ اللََّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصََابَهََا وََابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهََا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهََا وََابِلٌ فَطَلٌّ وَاللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (265) [البقرة] فإن كانت هذه الجنة التي بموضع عال حيث لا تحجب عنها الشمس والرياح، وقد أصابها مطر شديد. فأخرجت ثمرتها ضعفي ما يخرج غيرها إن كانت مستحسنة في العقل والحس. فكذلك نفقة من أنفق ماله لوجه الله، لا لجزاء من الخلق، ولا لشكور، بل بثبات من نفسه، وقوة على الإنفاق، لا يخرج النفقة وقلبه يرجف على خروجها، ويداه ترتعشان، ويضعف قلبه، ويخور عند الإنفاق. بخلاف نفقة صاحب التثبيت والقوة.
ولما كان الناس في الإنفاق على هذين القسمين، كان مثل نفقة صاحب الإخلاص والقوة والتثبيت: كمثل الوابل. ومثل نفقة الآخر كمثل الطل، وهو المطر الضعيف.
فهذا بحسب كثرة الإنفاق وقلته، وكمال الإخلاص والقوة واليقين فيه وضعفه. أفلا تراه سبحانه نبه العقول على ما فيها من استحسان هذا، واستقباح فعل الأول؟ [1]
الخلاصة فهذا بعض ما اشتمل عليه القرآن من التمثيل والقياس والجمع والفرق، واعتبار العلل والمعاني وارتباطها بأحكامها تأثيرا واستدلالا، قالوا: وقد ضرب الله سبحانه الأمثال وصرفها قدرا وشرعا ويقظة ومناما، ودل عباده على الاعتبار بذلك وعبورهم من الشيء إلى نظيره واستدلالهم بالنظير على النظير [2] .
(1) مدارج السالكين (1/ 240، 241) .
(2) إعلام الموقعين (1/ 246200) .