فعلى هذا يكون في القبلة نسخان، نسخ سنة بسنة، ونسخ سنة بقرآن، وقد بين حديث ابن عباس منشأ الخلاف في هذه المسألة، فروي عنه من طرق صحاح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى بمكة استقبل بيت المقدس وجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس [1] ، فلما كان صلى الله عليه وسلم يتحرى القبلتين جميعا لم يبن توجهه إلى بيت المقدس للناس حتى خرج من مكة، ولذلك والله أعلم قال الله تعالى في الآية الناسخة: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرََامِ} [البقرة: 150] ، أي من أي جهة جئت إلى الصلاة وخرجت إليها فاستقبل الكعبة مستدبرا بيت المقدس أو لم تكن، لأنه كان بمكة يتحرى في استقباله بيت المقدس أن تكون الكعبة بين يديه. قال وتدبر قوله: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ} وقال لأمته: {وَحَيْثُ مََا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 150] ، ولم يقل: «حيث ما خرجتم» ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان إمام المسلمين، فكان يخرج إليهم في كل صلاة ليصلي بهم، وكان ذلك واجبا عليه إذ كان الإمام المقتدى به، فأفاد ذكر الخروج في خاصته هذا المعنى ولم يكن غيره هكذا يقتضي الخروج، ولا سيما النساء ومن لا جماعة عليه.
قلت: ويظهر في هذا معنى آخر وهو أن قوله: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرََامِ وَحَيْثُ مََا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 150] ، خطاب عام له ولأمته، يقتضي أمرهم بالتوجه إلى المسجد الحرام في أي موضع كانوا من الأرض وقوله: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرََامِ} خطاب بصيغة الإفراد والمراد هو والأمة كقوله: {يََا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللََّهَ} [الأحزاب: 1] ، ونظائره.
وهو يفيد الأمر باستقبالها من أي جهة ومكان خرج منه وقوله: {وَحَيْثُ مََا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} يفيد الأمر باستقبالها في أي موضع استقر فيه وهو تعالى لم يقيد الخروج بغاية، بل أطلق غايته كما عم مبدأه، فمن حيث خرج إلى أي مخرج كان من صلاة أو غزو أو حج أو غير ذلك فهو مأمور باستقبال المسجد هو والأمة، وفي أي بقعة كانوا من الأرض فهو مأمور هو والأمة باستقباله.
فتناولت الآيتان أحوال الأمة كلها، في مبدأ تنقلهم من حيث خرجوا وفي غايته إلى حيث انتهوا وفي حال استقرارهم حيثما كانوا، فأفاد ذلك عموم الأمر بالاستقبال في الأحوال الثلاث التي لا ينفك منها العبد، فتأمل هذا المعنى ووازن بينه وبين ما أبداه أبو
(1) راجع تفسير الطبري (2/ 19) .