فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 490

ومن ذلك: أنه حرم عليهم في الصيام إذا نام أحدهم أن يأكل بعد ذلك أو يجامع، ثم خفف عنهم بإباحة ذلك إلى الفجر [1] .

ومن ذلك: أنه أوجب عليهم تقديم الصدقة بين يدي مناجاة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلما وطنوا له أنفسهم على ذلك، خففه عنهم [2] . ومن ذلك تخفيف الاعتداد بالحول بأربعة أشهر وعشرا [3] .

وهذا كما قد يقع في الابتلاء بالأوامر، فقد يقع في الابتلاء بالقضاء والقدر يشدد على العبد أولا ثم يخفف عنه وحكمه تسهيل الثاني بالأول وتلقي الثاني بالرضا وشهود المنة والرحمة. وقد يفعل الملوك ببعض رعاياهم قريبا من هذا، فهؤلاء المصادرون يطلب منهم الكثير جدا، الذي ربما عجزوا عنه ثم يحطون إلى ما دونه لتطوع لهم أنفسهم بذلة ويسهل عليهم. وقد يفعل بعض الحمالين قريبا من هذا، فيزيدون على الحمل شيئا لا يحتاجونه إليها، ثم يحط تلك الأشياء، فيسهل حمل الباقي عليهم.

والمقصود أن هذا الباب من الحكمة خلقا وأمرا، ويقع في الأمر والقضاء والقدر أيضا ضد هذا، فينقل عباده بالتدريج من اليسير إلى ما هو أشد منه لئلا يفجأ هذا التشديد بغتة فلا تحمله ولا تنقاد له. وهذا كتدريجهم في الشرائع شيئا بعد شيء دون أن يؤمروا بها كلها وهلة واحدة، وكذلك المحرمات. ومن هذا أنهم أمروا بالصلاة أولا ركعتين ركعتين، فلما ألفوها زيد فيها ركعتين أخريين في الحضر. ومن هذا أنهم أمروا بالصيام وخيروا فيه بين الصوم عينا وبين التخيير بينه وبين الفدية، فلما ألفوه أمروا بالصوم عينا. ومن هذا أنهم أذن لهم بالجهاد أولا من غير أن يوجبه عليهم، فلما توطنت نفوسهم وباشروا حسن عاقبته وثمرته أمروا به فرضا.

وكذلك يقع مثل هذا في قضائه وقدره مقدر على عبده بل لا بد منه اقتضاء حمده وحكمته فيبتليه بالأخف أولا، ثم يرقبه إلى ما هو فوقه حتى يستكمل ما كتب عليه منه.

ولهذا قد يسعى العبد في أول البلاء في دفعه وزواله ولا يزداد إلا شدة لأنه كالمرض في أوله وتزايده، فالعاقل يستكين له أولا وينكسر ويذل لربه، ويمد عنقه خاضعا ذليلا لعزته، حتى إذا مر به معظمه وعمرته وأذن ليله بالصباح، فإذا سعى في زواله ساعدته الأسباب.

(1) سبق بيانه.

(2) سورة المجادلة (12) .

(3) آية التخفيف في سورة البقرة (234) والآية المنسوخة (240) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت