فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 490

فاعلم أن هذه الجملة مشتملة على ستة أسماء كل اثنين منها قسم، فابتدأها ب {الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} وهما اسمان مطلقان وصفتان من صفات ذاته وهما مجردان عن العطف. ثم ذكر بعدهما اسمين من صفات أفعاله، فأدل بينهما العطف. ثم ذكر اسمين آخرين بعدهما وجردهما من العاطف، فأما الأولان فتجردهما من العاطف لكونهما مفردين صفتين جاريتين على اسم الله، وهما متلازمان فتجريدهما عن العطف هو الأصل، وهو موافق لبيان ما في الكتاب العزيز من ذلك ك {الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} و {السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} و {الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} . وأما {غََافِرِ الذَّنْبِ وَقََابِلِ التَّوْبِ} ، فدخل العاطف بينهما لأنهما في معنى الجملتين، وإن كان مفردين لفظا، فهما يعطيان معنى يغفر الذنب ويقبل التوب، أي: هذا شأنه ووصفه في كل وقت.

فأتى الاسم الدال على أن هذا وصفه ونعته المتضمن لمعنى الفعل الدال على أنه لا يزال يفعل ذلك، فعطف أحدهما على الآخر على نحو عطف الجمل بعضها على بعض ولا كذلك الاسمان الأولان، ولما لم يكن الفعل ملحوظا في قوله: {شَدِيدِ الْعِقََابِ ذِي الطَّوْلِ} إذ لا يحسن وقوع الفعل فيهما، وليس في لفظ: (ذي) ما يصاغ منه فعل، جرى مجرى المقردين من كل وجه، ولم يعطف أحدهما على الآخر كما لم يعطف في {الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} ، فتأمله فإنه واضح.

وأما العطف في قوله: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوََّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ََ} (3) [الأعلى] ، فلما كان المقصود الثناء عليه بهذه الأفعال، وهي جملة، دخلت الواو عاطفة جملة على جملة وإن كانت الجملة مع الموصول في تقدير المفرد، فالفعل مراد مقصود، والعطف يصير كلّا منها جملة مستقلة مقصودة بالذكر، بخلاف ما لو أتي بها في خبر موصول واحد فقيل: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا} {وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمََاءِ مََاءً} {وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوََاجَ كُلَّهََا} [الزخرف:

1210]كانت كلها في حكم جملة واحدة، فلما غاير بين الجمل بذكر الاسم الوصول مع كل جملة دل على أن المقصود وصفه بكل من هذه الجمل على حدتها [1] .

(1) بدائع الفوائد (1/ 193189) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت