فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 490

وتضمنت كمال توحيده وربوبيته وقيوميته وإلهيته، وأن مصادر الأمور كلها عن محض إرادته ومردها إلى ممال حكمته، وأن المهدي من خصه الله بهدايته وشرح صدره لدينه وشريعته، وأن الضال من جعل صدره ضيقا حرجا عن معرفته، ومحبته، كأنما يتصاعد في السماء، وليس ذلك في قدرته، وأن ذلك عدل في عقوبته لمن لم يقدره حق قدره وجحد كمال ربوبيته، وكفر بنعمته، وآثر عبادة الشيطان على عبوديته، فسد عليه باب توفيقه وهدايته

وفتح عليه أبواب غيه وضلاله فضاق صدره، وقسا قلبه وتعطلت من عبودية ربها جوارحه، وامتلأت بالظلمة جوانحه.

والذنب له حيث أعرض عن الإيمان، واستبدل به الكفر والفسوق والعصيان، ورضي بموالاة الشيطان، وهانت عليه معاداة الرحمن، فلا يحدث نفسه بالرجوع إلى مولاه، ولا يعزم يوما عن إقلاعه عن هواه، قد ضاد الله في أمره، بحب ما يبغضه ويبغض ما يحبه، ويوالي من يعاديه، ويعادي من يواليه، يغضب إذا رضي الرب، ويرضى إذا غضب.

هذا وهو يتقلب في إحسانه، ويسكن في داره، ويتغذى برزقه، ويتقوى على معاصيه بنعمه، فمن أعدل منه سبحانه عما يصفه به الجاهلون والظالمون إذا جعل الوحي على أمثال هذا من الذين لا يؤمنون.

وإذا شرح الله صدر عبده بنوره الذي يقذفه في قلبه أراه في ضوء ذلك النور حقائق الأسماء والصفات التي تضل فيها معرفة العبد إذ لا يمكن أن يعرفها العبد على ما هي عليه في نفس الأمر.

وأراه في ضوء ذلك النور حقائق الإيمان، وحقائق العبودية، وما يصححها، وما يفسدها، وتفاوتت معرفة الأسماء والصفات، والإيمان والإخلاص وأحكام العبودية بحسب تفاوتهم في هذا النور. قال تعالى: {أَوَمَنْ كََانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنََاهُ وَجَعَلْنََا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النََّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمََاتِ لَيْسَ بِخََارِجٍ مِنْهََا} [الأنعام: 122] .

وقال: {يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللََّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} [الحديد: 28] .

فيكشف لقلب المؤمن في ضوء ذلك النور عن حقيقة المثل الأعلى مستويا على عرش الإيمان في قلب العبد المؤمن، فيشهد بقلبه ربا عظيما قاهرا قادرا أكبر من كل شيء في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله. السموات السبع قبضة إحدى يديه، والأرضون السبع قبضة اليد الأخرى، يمسك السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع والشجر على إصبع، والثري على إصبع، ثم يهزهن ثم يقول: «أنا الملك» [1] .

(1) البخاري (7513) في التوحيد، باب: كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، ومسلم (2786/ 19) في صفات المنافقين، باب: صفة القيامة والجنة والنار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت