والثانية: الرجل والمرأتان.
والثالثة: الرجل واليمين. فمن أنكر هذه لزمه إنكار كل شيء ذكرناه لا يجد من ذلك بدّا حتى يخرج من قول العلماء.
قال أبو عبيدة: ويقال لمن أنكر الشاهد واليمين، وذكر أنه خلاف القرآن: ما تقول في الخصم يشهد له الرجل والمرأتان، وهو واجد لرجلين يشهدان له؟
فإن قالوا: الشهادة جائزة. قيل: ليس هذا أولى بالخلاف، وقد اشترط القرآن فيه ألا يكون للمرأتين شهادة إلا مع فقد أحد الرجلين. فإنه سبحانه قال: {فَإِنْ لَمْ يَكُونََا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتََانِ} [البقرة: 282] ، ولم يقل: واستشهدوا شهيدين من رجالكم أو رجلا وامرأتين:
فيكون فيه الخيار، كما جعله في الفدية كما قال تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيََامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}
[البقرة: 196] ، ومثل ما جعله في كفارة اليمين بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فهذه أحكام الخيار. ولم يقل ذلك في آية الدين. ولكنه قال فيها كما قال في آية الفرائض: {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوََاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} [النساء: 11] .
وكذلك الآية التي بعدها فقوله هاهنا: «إن لم يكن» كقوله في آية الشهادة: «فإن لم يكونا» كذلك قال في آية الطهور: {فَلَمْ تَجِدُوا مََاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] وفي آية الظهار: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيََامُ شَهْرَيْنِ مُتَتََابِعَيْنِ} [المجادلة: 4] وكذلك في متعة الحج وكفارة اليمين: أن الصوم لا يجزى الواحد: فأي الحكمين أولى بالخلاف: هذا أم الشاهد واليمين، الذي ليس فيه من الله اشتراط منع، إنما سكت عنه، ثم فسرته السنة؟.
قال أبو عبيدة: وقد وجدنا في حكمهم ما هو أعجب من هذا، وهو قولهم في رضاع اليتيم الذي لا مال له، وله خال وابن عم موسران: إن الخال يجبر على رضاعه، لأنه محرم وإنما اشترط التنزيل غيره. فقال: {وَعَلَى الْوََارِثِ مِثْلُ ذََلِكَ} [البقرة: 233] ، وقد أجمع المسلمون أن لا ميراث للخال مع ابن العم. ثم لم نجد هذا الحكم في السنة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولا عن أحد من سلف العلماء. وقد وجدنا الشاهد واليمين في آثار متواترة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وعن غير واحد من الصحابة ومن التابعين.
وقال الربيع: قال الشافعي: قال بعض الناس في اليمين مع الشاهد قولا أسرف فيه على نفسه، قال: أرد حكم من حكم بها، لأنه خالف القرآن. فقلت له: الله تعالى أمر بشاهدين أو شاهد وامرأتين؟ قال: نعم. فقلت: أحتم من الله ألا يجوز أقل من شاهدين؟ قال: فإن قلته؟ قلت: فقله، قال: قد قلته، قلت: وتحد في الشاهدين اللذين أمر الله بهما حدا؟ قال:
نعم، حران مسلمان بالغان عدلان. قلت: ومن حكم بدون ما قلت خالف حكم الله؟ قال: