فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 490

وا عجبا لها! كيف جعلت غذاءها من هذه الآراء التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولم تقبل الاغتذاء بكلام رب العالمين، ونصوص حيث نبيه المرفوع؟ أم كيف اهتدت في ظلم الآراء إلى التمييز بين الخطأ والصواب، وخفي عليها ذلك في مطالع الأنوار من السنة والكتاب؟.

وا عجبا! كيف ميزت بين صحيح الآراء وسقيمها، ومقبولها ومردودها، وراجحها ومرجوحها، وأقرت على أنفسها بالعجز عن تلقي الهدى والعلم من كلام من كلامه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الكفيل بإيضاح الحق مع غاية البيان؟ وكلام من أوتي جوامع الكلم، واستولى كلامه على الأقصى من البيان.

كلا، بل هي والله فتنة أعمت القلوب عن مواقع رشدها، وحيرت العقول عن طرائق قصدها، يربى فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير.

وظنت خفافيش البصائر أنها الغاية التي يتسابق إليها المتسابقون، والنهاية التي تنافس فيها المنافسون، وتزاحموا عليها، وهيهات، أين السهى من شمس الضحى؟، وأين الثرى من كواكب الجوزاء؟، وأين الكلام الذي لم تضمن لنا عصمة قائله بدليل معلوم، من النقل المصدق عن القائل المعصوم؟، وأين الأقوال التي أعلى درجاتها: أن تكون سائغة الاتباع، من النصوص الواجب على كل مسلم تقديمها وتحكيمها والتحاكم إليها في محل النزاع؟

وأين الآراء التي نهى قائلها عن تقليده فيها وحذر، من النصوص التي فرض على كل عبد أن يهتدي بها ويتبصر؟، وأين المذاهب التي إذا مات أربابها [1] فهي من جملة الأموات، من النصوص التي لا تزول إذا زالت الأرض والسموات؟

سبحان الله! ماذا حرم المعرضون عن نصوص الوحي، واقتباس العلم من مشكاته من كنوز الذخائر؟!،وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر؟ قنعوا بأقوال استنبطتها معاول الآراء فكرا، وتقطعوا أمرهم بينهم لأجلها زبرا، وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، فاتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورا.

درست معالم القرآن في قلوبهم فليسوا يعرفونها. ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها، ووقعت ألويته وأعلامه من أيديهم فليسوا يرفعونها، وأفلت كواكبه النيرة من آفاق نفوسهم فلذلك لا يحبونها. وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وعقدها فليسوا يبصرونها.

(1) كذا في الأصل، ولعل الصواب (أربابها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت