فانظر الآن إلى النطفة بعين البصيرة وهي قطرة من ماء مهين ضعيف مستقذر، لو مرت بها ساعة من الزمان فسدت وأنتنت. كيف استخرجها رب الأرباب العليم القدير من بين الصلب والترائب، منقادة لقدرته مطيعة لمشيئته مذللة الانقياد على ضيق طرقها، واختلاف
مجاريها إلى أن ساقها إلى مستقرها ومجمعها. وكيف جمع سبحانه بين الذكر والأنثى وألقى المحبة بينهما وكيف قادهما بسلسلة الشهوة والمحبة إلى الاجتماع الذي هو سبب تخليق الولد وتكوينه، وكيف قدر اجتماع ذينك الماءين مع بعد كل منهما عن صاحبه، وساقهما من أعماق العروق والأعضاء وجمعهما في موضع واحد جعل لهما قرارا مكينا لا يناله هواء يفسده، ولا برد يجمده ولا عارض يصل إليه ولا آفة تتسلط عليه. ثم قلب تلك النطفة البيضاء المشربة علقة حمراء تضرب إلى سواد ثم جعلها مضغة لحم مخالفة للعلقة في لونها وحقيقتها وشكلها، ثم جعله عظاما مجردة لا كسوة عليها مباينة للمضغة في شكلها وهيأتها وقدرها وملمسها ولونها. وانظر كيف قسم تلك الأجزاء المتشابهة المتساوية إلى الأعصاب والعظام والعروق والأوتار، واليابس واللين، وبيّن ذلك. ثم كيف ربط بعضها ببعض أقوى رباط وأشده وأبعده عن الانحلال. وكيف كساها لحما ركبه عليها وجعله وعاء لها وغشاء وحافظا وجعلها حاملة له مقيمة له، فاللحم قائم بها وهي محفوظة به وكيف صورها فأحسن صورها وشق لها السمع والبصر والفم والأنف وسائر المنافذ [1] .
ولهذا كانت آيات الله المتلوة والمشهودة ذكرى كما قال في المتلوة: {وَلَقَدْ آتَيْنََا مُوسَى الْهُدى ََ وَأَوْرَثْنََا بَنِي إِسْرََائِيلَ الْكِتََابَ (53) هُدىً وَذِكْرى ََ لِأُولِي الْأَلْبََابِ} (54) [غافر] ، وقال عن القرآن: {وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} (48) [الحاقة: 48] ، وقال في آياته المشهودة: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمََاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنََاهََا وَزَيَّنََّاهََا وَمََا لَهََا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنََاهََا وَأَلْقَيْنََا فِيهََا رَوََاسِيَ وَأَنْبَتْنََا فِيهََا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرى ََ لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} (8) [ق: 86] فالتبصرة آلة البصر و «التذكرة» آلة الذكر، وقرن بينهما وجعلهما لأهل الإنابة. لأن العبد إذا أناب إلى الله أبصر مواقع الآيات والعبر، فاستدل بها على ما هي آيات له. فزال عنه الإعراض بالإنابة، والعمى بالتبصرة، والغفلة بالتذكرة. لأن التبصرة توجب له حصول صورة المدلول في القلب بعد غفلته عنها، فترتب المنازل الثلاثة أحسن ترتيب ثم إن كلا منها يمد صاحبه ويقويه ويثمره.
وقال تعالى في آياته المشهورة: {وَكَمْ أَهْلَكْنََا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلََادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) إِنَّ فِي ذََلِكَ لَذِكْرى ََ لِمَنْ كََانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (37) [ق:
3736]، والناس ثلاثة: رجل قلبه ميت فذلك الذي لا قلب له فهذا ليست هذه الآية ذكرى في حقه.
(1) مفتاح دار السعادة (1/ 189188) . وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في ذلك فصلا ممتعا فانظره.