فهرس الكتاب

الصفحة 488 من 490

وأيضا قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيََامَةِ أَعْمى ََ (124) قََالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى ََ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قََالَ كَذََلِكَ أَتَتْكَ آيََاتُنََا فَنَسِيتَهََا وَكَذََلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ََ} (126) [طه] ، أي: تنسى في العذاب كما نسيت آياتي فلم تذكرها ولم تعمل بها. وإعراضه عن ذكره يتناول إعراضه عن الذكر الذي أنزله، وهو أن يذكر الذي أنزله في كتابه، وهو المراد بتناول إعراضه عن أن يذكر ربه بكتابه، وأسمائه وصفاته وأوامره وآلائه، ونعمه، فإن هذه كلها توابع إعراضه عن كتاب ربه تعالى، فإن الذكر في الآية إما مصدر مضاف إلى الفاعل، أو مضاف إضافة الأسماء المحضة، أي: من أعرض عن كتابي ولم يتله، ولم يتدبره، ولم يعمل به، ولا فهمه، فإن حياته ومعيشته لا تكون إلا مضيقة عليه منكدة معذبا فيها.

والضنك: الضيق والشدة والبلاء. ووصف المعيشة نفسها بالضنك مبالغة، وفسرت هذه المعيشة بعذاب البرزخ، والصحيح: أنها تتناول معيشته في الدنيا وحاله في البرزخ، فإنه يكون في ضنك في الدارين، وهو شدة وجهد وضيق. وفي الآخرة ينسى في العذاب. وهذا عكس أهل السعادة والفلاح، فإن حياتهم في الدنيا أطيب الحياة، ولهم في البرزخ وفي الآخرة أفضل الثواب [1] .

سلط الله تعالى عليهم [2] من أزال ملكهم، وشردهم من أوطانهم، وسبى ذراريهم، كما هي عادته سبحانه وسنته في عباده إذا أعرضوا عن الوحي، وتعوضوا عنه بكلام الملاحدة والمعطلة من الفلاسفة وغيرهم، كما سلط النصارى على بلاد المغرب لما ظهرت فيها الفلسفة والمنطق، واشتغلوا بها، فاستولت النصارى على أكثر بلادهم، وأصاروهم رعية لهم. وكذلك لما ظهر ذلك ببلاد الشرق، سلط عليهم عساكر التتار، فأبادوا أكثر البلاد الشرقية، واستولوا عليها. وكذلك في أواخر المائة الثالثة، وأول الرابعة، لما اشتغل أهل العراق بالفلسفة وعلوم أهل الإلحاد، سلط عليهم القرامطة الباطنية، فكسروا عسكر الخليفة عدة مرات، واستولوا على الحاج، واستعرضوهم قتلا وأسرا، واشتدت شوكتهم، واتهم بموافقتهم في الباطن كثير من الأعيان، من الوزراء والكتاب، والأدباء وغيرهم، واستولى أهل دعوتهم على بلاد المغرب، واستقرت دار مملكتهم بمصر [3] ، وبنيت في أيامهم

(1) الوابل الصيب (59) .

(2) أي: بنو إسرائيل.

(3) هم العبيديون المدعون كذبا وزورا أنهم فاطميون. وجدهم الذي دخل إلى المغرب، وأظهر دعوته هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت