فليس كل خبر نبأ، وهو نبأ خبر عن غيب معظم.
ويريد بالوحي والإلهام: الإعلام الذي يقطع من وصل إليه بموجبه، إما بواسطة سمع، أو هو الإعلام بلا واسطة.
قلت: أما حصوله لغير الأنبياء، وهو الذي خص به موسى، إذ كان المخاطب هو الحق عزّ وجلّ.
وأما ما يقع لكثير من أرباب الرياضات من سماع، فهو من أحد وجوه ثلاثة لا رابع لها. أعلاها: أن يخاطبه الملك خطابا جزئيا. فإن هذا يقع لغير الأنبياء، فقد كانت الملائكة تخاطب عمران بن حصين بالسلام، فلما اكتوى تركت خطابه، فلما ترك الكي عاد إليه خطاب الملك. وهو نوعان:
أحدهما: خطاب يسمعه بأذنه، وهو نادر بالنسبة إلى عموم المؤمنين.
والثاني: خطاب يلقى في قلبه يخاطب به الملك وروحه، كما في الحديث المشهور:
«إن للملك لمّة بقلب ابن آدم، وللشيطان لمة. فلمة الملك: إيعاد بالخير، وتصديق بالوعد، ولمة الشيطان: إيعاد بالشر وتكذيب بالوعد» [1] ، ثم قرأ: {الشَّيْطََانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشََاءِ وَاللََّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللََّهُ وََاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 268] . قيل في تفسيرها: قوّوا قلوبهم، وبشروهم بالنصر. وقيل: احضروا معهم للقتال، والقولان حق، فإنهم حضروا معهم القتال، وثبتوا قلوبهم.
ومن هذا الخطاب: واعظ الله عزّ وجلّ في قلوب عباده المؤمنين، كما في جامع الترمذي ومسند أحمد من حديث النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى ضرب مثلا:
صراطا مستقيما، وعلى كنفتي الصراط سوران، لهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداع يدعو على رأس الصراط، وداع يدعو فوق الصراط، فالصراط المستقيم:
الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، فلا يقع أحد في حد من حدود الله حتى يكشف الستر، والداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مؤمن» [2] ، فهذا الواعظ في قلوب المؤمنين هو الإلهام
(1) الترمذي (2988) في تفسير القرآن، باب: ومن سورة البقرة، وقال: «حسن غريب» وضعفه الألباني، ورواه النسائي في الكبرى (11051) في التفسير.
(2) الترمذي (2295) في الأمثال، ما جاء في مثل الله تعالى لعباده، وصححه الألباني.
رواه الإمام أحمد (16976) في مسند الشاميين.