عَنِ الْوَصِيَّةِ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا. لِكَيْ يُطِيلَ الأَيَّامَ عَلَى مَمْلَكَتِهِ هُوَ وَبَنُوهُ فِي وَسَطِ إِسْرَائِيلَ) [1] .
إنه عصر يمثل بداية الانطلاقة الحقيقية والنهضة الجماعيّة والرؤى القياديّة لهذه الأمّة الإسرائيلية، يقول (غوستاف لوبون) :"بشاول بدأ بنو إسرائيل يؤلّفون أمة، فاستحقّوا أن تفتح لهم صفحة صغيرة من التاريخ الحقيقي، الذي كان لهم في العالم" [2] .
ولم تكن قيادة طالوت لأمّة بني إسرائيل في تلك الفترة بالأمر اليسير، ولا بالأمر الصعب العسير، بل كانت أصعب من الصعب وأعسر من العسير، إن جاز التعبير؛ فشعب إسرائيل لم ينضبط لموسى ولا لأخيه هارون الوزير عليهما السلام، وهما من هما، ولا للأنبياء من بعدهما .. وأما الأعداء فقد سلبوا البلاد، وأسروا الأولاد، وطردوا العباد، فيا لله كم جَهِد طالوت في ملكه وهو يعالج الأمرّين؛ من داخل قومه وعشيرته، ومن شرّ عدوّه وسطوته.
وحقّ لداود عليه السلام أن يبكي على استشهاد طالوت، ويتحرّق فؤاده لوعةً وحزنًا على فراق قائد سيذكره المسلمون في كلّ العهود، ولم ينصفه اليهود، ويكفي له فخرًا رثاء داود، حين أنشد: يا بني يهوذا تعلّموا (نشيد القوس) ، واكتبوه في السّفر:
الظبي يا إسرائيل مقتول على جبالك الشامخة .. كيف سقط الأبطال .. لا تخبروا أعداءنا في جِت [مدينة جالوت] حتى لا يفرحوا أو يشمتوا .. يا جبال جلبوع [مكان استشهاد طالوت] فلتحزني، وليتوقّف الندى عنك، ويتوقّف المطر .. لا تخرجي حصاد الحقول .. فهناك قد طرح درع العظماء .. درع طالوت لم يمسح بالدهن، بل بدم القتلى مُسِح ودماء الأبطال .. وسيف طالوت لم يرجع خائبًا .. طالوت الذي أحببته، أخفّ من النسر، وأقوى من الأسد .. يا بنات إسرائيل ابكين طالوت الذي كساكنّ الحرير القرمزي
(1) سفر التثنية، اصحاح 17، مقطع 20:14
(2) غوستاف لوبون، اليهود في تاريخ الحضارات الأولى، ترجمة: عادل زعيتر، تحقيق: محمود النجيري، ط 1، (القاهرة: مكتبة النافذة، 2009 م) ، ص 54