المطلب الأول: صراع الوثنية ودعوة التوحيد
يقول (البغوي) في تفسيره لقوله تعالى: (( ألم ترإلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى ... ) ):"قال وهب وابن اسحاق والكلبي وغيرهم: كان سبب مسألتهم إياه ذلك لما مات موسى عليه السلام خلف بعده في بني إسرائيل يوشع بن نون، يقيم فيهم التوراة وأمر الله تعالى حتى قبضه الله تعالى، ثم خلف فيهم كالبُ كذلك حتى قبضه الله تعالى، ثم خلف حزقيل حتى قبضه الله، ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل ونسوا عهد الله حتى عبدوا الأوثان" [1] .
إن الوثنية الإسرائيلية ما زالت معشعشة في آذان بني إسرائيل منذ عهد موسى، وحتى بعد أن أنجاهم الله - كما سبق وبيّنا-، بل إنهم كانوا ما زالوا متأثرين بالسحر المصري الفرعوني ومفتونين به، يقول (وِل ديورانت) :"ظلت المعتقدات السحرية التي كانت منتشرة في العبادات القديمة باقية عند اليهود حتى عهود متأخرة رغم احتجاج الأنبياء والكهنة. ويبدو أن الناس كانوا ينظرون إلى موسى وهارون على أنهما ساحران ... ومما يذكر بالحمد لكهنة اليهود أنهم قاومو هذه العادات ودعوا الناس ألا يعتمدوا إلا على قوة سحرية واحدة هي قوة القربان والصلوات والتبرعات" [2] .
وما زال بنو إسرائيل يرتدّون عن الدين ويعبدون الأوثان من بعد عهد موسى، ولذلك احتاجوا إلى كثرة الأنبياء الذين يرجعونهم إلى دين التوحيد، فيوشع عليه السلام"أمرهم أن يهدموا بيوت الأوثان" [3] ، و"لما أجهد كوشن [ملك آرام] بني إسرائيل استغاثوا إلى الله، فأنشأ لهم رجلًا من سبط يهودا اسمه (عثنائيل) ... فقتل كوشن وولي أمر الأمة وردّهم إلى عبادة الله تعالى ثم مات. وبعد موت (عثنائيل بن"
(1) البغوي، مرجع سابق، 1/ 296؛ وكذلك: تفسير ابن جرير 2/ 611؛ تفسير ابن كثير 1/ 322
(2) ديورانت، ويل، قصة الحضارة، ترجمة: محمد بدران، د. ط، (بيروت: دار الجيل، 1408 - 1988 م) ، 2/ 339
(3) ابن العبري، غريفوريوس أبو الفرج ابن اهرون الطبيب، تاريخ مختصر الدول، صححّه أنطون صالحاني اليسوعي، د. ط، (بيروت: دار الرائد اللبناني،1403 ه - 1983 م) ، ص 36