المبحث الثالث
الحياة البدائية والغفلة عن أسباب التمكين
المطلب الأول: انتقال بني إسرائيل من رعاة إلى فلاحين
حياة بني إسرائيل كانت خلال فترة (عهد القضاة) حياة بدائية فاقدة كل مظهر حضاري، مضطربة أشد الاضطراب بسبب الانحرافات الخلقية والدينية، والخلافات والمشاكل الداخلية، والغزوات الخارجية التي لم تهدأ، حتى أنهم لم يتمكنوا من إقامة معبد واحد ثابت لهم مصنوع من الطّين، فكان معبدهم خيمة متنقلة، تدعى (خيمة الاجتماع) [1] .
ومن التعبيرات المشهورة (إلى خيامك يا إسرائيل) [2] ، وكانت الخيام أحيانًا تصنع من شعر الماعز، وخيام القبيلة تنتشر عادة في شكل مجموعات غير منسّقة، لكن في حالة تهديد القبيلة بغزو تتجمع الخيام معًا [3] .
ولا ريب في أن أولى الحرف التي مارسها الاسرائيليون كانت رعي الأغنام، وقد كان بنو إسرائيل ينتقلون خلف قطعانهم من المعز والضأن بمحاذاة الحدود الصحراوية للمناطق الخصبة، يتعقبون مواسم الأمطار ومناطق الأعشاب، ويحطّون الرحال من حين إلى حين. وكانت الأغنام هي العنصر الجوهري للثروة، به يعرف مقدار ما يملك الشخص. وكل ما كان يحمله الراعي معه لا يتعدى جراب من الجلد فيه طعامه، وكذلك عصاه، وهي سلاحه الوحيد، كما كان يحمل معه مقلاعًا. وفي عهد القضاة بدأ اليهود يميلون للزراعة حين وجدوا بعض الاستقرار، وارتبط بعضهم بكل حواسه بالزراعة لأن هذه المهنة تربط الفلاح بالأرض، وبالتالي تشعره بنوع من الاستقرار [4] .
"وكان دخول العبريين فلسطين نقطة تحول ... فقد تحولوا بعد دخولهم من حياة البداوة والرعي إلى الحياة الزراعية المستقرة، وإن لم يكن هذا التحوّل قاطعًا أو"
(1) فوزي محمد حميد، حقائق وأباطيل في تاريخ بني إسرائيل، ط 1، (دمشق: دار الصفدي، 1414 ه-1994 م) ، ص 30
(2) سفر يشوع، الاصحاح 22، المقطع 4؛ وكذلك: سفر القضاة، اصحاح 7، مقطع 8
(3) فؤاد حسنين، مرجع سابق، ص 87
(4) بيومي، مرجع سابق، 4/ 665:662