أبدى بنو إسرائيل رأيهم في قضية المال الذي يملكه طالوت، ووقع في نفوسهم أن ما يملكه طالوت لا يكفي للقيام بشؤن الملك، وكفاية الأمة في نوائبها وإغاثة الملهوف وتجهيز الجيش والعطاء الواسع، فإذا كان لا يملك هذا المال فكيف سيكون ملكًا علينا؟!"وإنما قالوا هذا لقصورهم في معرفة سياسة الأمم ونظام الملك، فإنهم رأوا الملوك المجاورين لهم في بذخة وسعة، فظنوا ذلك من شروط الملك" [1] . وكأن ملوك الدنيا يدفعون كل ذلك من جيوبهم الخاصة.
وأمر آخر مركوز في الطباع البشرية الخاطئة، وهي استحقار الفقراء والرعاع من الناس الذين لم يوسّع الله عليهم في المال [2] . وكل ذلك ناشئ من فتنة استصنام المال لدى كثير من البشر [3] .
-ولكن السؤال هنا: هل كان طالوت رجلًا فقيرًا؟ [4] أم أنه كان (متوسط الحال) وكان يجد ما يكفيه، ولكنه لم يكن واسع الثراء؟
# نلاحظ أن أغلب المفسّرين مطبقين على أنه كان فقيرًا، ما عدا صاحب (تفسير المنار) ، وكما اعترض سابقًا على ذكر المفسرين لقضية (النسب) ، يعترض هنا أيضًا على تتابع المفسرين بذكر (فقر) طالوت، حيث قال:"ونفيهم [يعني بني إسرائيل] سعة المال التي تؤهله للملك في رأي القائلين لا تدل على أنه كان فقيرًا، وإنما العبرة في العبارة هي ما دلت عليه طباع الناس" [5] .
وما ذكره حق وتدل عليه الآية بكل وضوح؛ (( ولم يؤت سعة من المال ) )، إذ مفهوم المخالفة من ذلك أنه أوتي مالًا قليلًا يكفيه ولا يتوسّع فيه، ولو كان فقيرًا
(1) ابن عاشور، مرجع سابق, 2/ 491
(2) أبو حيان، مرجع سابق, 2/ 266 (بتصرف) .
(3) البقاعي، مرجع سابق, 3/ 417 (بتصرف) .
(4) المقصود بـ (الفقير) أي الذي لا يجد شيئًا، أو الذي ليس لديه ما يكفيه ويسدّ حاجته الشخصية.
(5) تفسير المنار، مرجع سابق, 2/ 477