المبحث الثالث
الخلافات والتفكّك
المطلب الأول: حروب داخلية بين الأسباط
لقد قرر الله سننًا قدرية في اجتماع اليهود وتفرقهم، وحَكَم عليهم بما كسبت أيديهم بقواعد سننيّة لا تختلف، فقال سبحانه: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا} [1] ، {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} [2] {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [3] ، ومن يقرأ سيرة اليهود قديمًا وحديثًا، علِم مدى الخلاف والتفريق والعداوة والبغضاء بين بعضهم، وعدم اجتماع كلمتهم، وشتاتهم في العالم، والتمزق والتشتت في صفوف اليهود أمر حتمي لا يستطيع أحد أن ينكره على الإطلاق.
وليس هذا الخلاف والتفرق بين أسباطهم وفئاتهم فقط، بل حتى بينهم وبين قياداتهم الدينية والسياسية والعسكرية، ولئن اجتمعت كلمتهم في بعض الظروف الطارئة كأن يجمعهم تسلّط جبار عليهم يسومهم سوء العذاب كما فعل فرعون بهم.
أو تمكن من رقابهم أحد ملوكهم الحازمين مثل (طالوت) ، فألزمهم بأنظمة الدولة وسياسات الحكم.
لئن كان ذلك في فترات متقطعة من تاريخهم، فسرعان ماتبرز الخلافات ويكون الشقاق لتتحقق فيهم سنة الله [4] .
وهذا ما تؤكده الآية التي تلت قصة طالوت مباشرة: { ... وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253) } [5] . والذي يترجحُ في معنى (الاقتتال) ، أنه هو ماكان بدافع
(1) سورة الأعراف، آية:168
(2) سورة المائدة، الأية: 64
(3) سورة الحشر، الأية 14
(4) مصطفى مسلم، معالم قرآنية في الصراع مع اليهود, ط 2، (دمشق: دار القلم, 1420 هـ-1999 م) ، ص 194 (بتصرف) .
(5) سورة البقرة، آية 253