الفصل الثاني
الحالة الاجتماعية والتربويّة
المبحث الأول
الانحطاط الأخلاقي
المطلب الأول: الاختلاط والتقليد للشعوب المجاورة
المسألة الأولى: الأخذ بقشور الحضارات:
حينما دخل البدو من بني إسرائيل إلى أرض الشام، ووطئت أقدامهم بلاد حضارات جديدة لم يألفوها، شعر كثير منهم بالقصور الذاتي في معيشتهم، ونظروا نظرة إعجاب لأحوال الأمم والحضارات المجاورة لهم، مع أنهم في الغالب من أعدائهم.
ولكن الأمر كان كما ذكر (ابن خلدون) من أن:"المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وأمواله، والسبب في ذلك أن النفس أبدًا تعتقد الكمال في من غلبها، وانقادت إليه، إما بنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب" [1] .
ولعلّ من أهم أسباب تبعيّتهم وتقليدهم أنهم جعلوهم معظمين من دون الله، حتى بلغ بهم الحال إلى استسلام أفكارهم لعادات منحطّة ورذيلة من فتات الأمم، فاتّخذ بنو إسرائيل هؤلاء الأقوام وكلاء يتوكّلون عليهم في أمورهم وفي فكرهم وفي ديانتهم وأخلاقهم.
وهذا المعنى قريب من قول الله سبحانه: {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [2] . وإن كان غالب المفسرين يشير إلى أن المقصود بهم هم (بنو اسرائيل) انفسهم، والباحث لم يطّلع على تفسير ينصّ على أن المقصود بـ (ذرية من حملنا مع نوح) هم الأمم العربية المجاورة لبني إسرائيل، إلا أن المعنى المتبادر للذهن بحسب أحد الأوجه الإعرابية
(1) ابن خلدون، مرجع سابق، 1/ 184
(2) سورة الإسراء، آية: 3:2