ذكر أهل التفسير خلافًا عند قوله سبحانه: (( وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ) )، وهل كان المتحدثون بذلك مبعدين أم كان حديثهم عن قوم آخرين منهم من الأسارى والسبايا؟ والذي رجّحه الطبري أنهم غيرهم، والمعنى:"وقد أُخرج من غلب عليه من رجالنا و نسائنا من ديارهم وأولادهم، ومن سبي، وهذا الكلام ظاهرة العموم وباطنه الخصوص، لأن الذين قالوا لنبيهم"ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله"كانوا في ديارهم وأوطانهم، وإنما كان قد أخرج من داره وولده من أسر وقهر منهم" [1] ، وتبعه البغوي فيما قال [2] .
ورأى ابن كثير والسمرقندي [3] أن الأمر على الفهم المتبادر للذهن، وأنهم قد أخذت منهم البلاد وسبيت الأولاد، ويؤيد ذلك أمران:-
1 -أنه"قد صرّح بذلك إجمالًا في الاصحاح السابع من سفر صمويل الأول، وأنهم أسروا أبناءهم، وأطلقوا كهولهم وشيوخهم" [4] .
2 -أن"الغرض الإخبار بأنهم يقاتلون لا محالة إذ قد عرض لهم ما يوجب المقاتلة ايجابًا قويًا، وهو الاخراج عن الأوطان والاغتراب من الأهل والأولاد" [5] . وقال أبوحيّان ذاكرًا الخلاف:"والقائل هذا لم يخُرَج لكنه أُخرْج مثله فكان ذلك إخراجًا له، ويمكن حمله على الظاهر لأن كثيرًا منهم استولي على بلادهم، وأُسر أبناؤهم فارتحلوا إل غير بلادهم التي كان منشأهم بها كما مر في قصتهم" [6] .
فالمتبادر للذهن هو الصحيح لما بيناه من أسباب، كما أن ذلك يبيّن حالهم بعد فسادهم، فمثل هذه المصائب لا تقع على الأمم إلا بسبب ما هم فيه من كثرة الفساد،
(1) الطبري، جامع البيان، مرجع سابق، 5/ 305
(2) البغوي، مرجع سابق، 1/ 297
(3) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق،1/ 322؛ السمرقندي، أبو الليث نصر بن محمد, تفسير السمرقندي (بحر العلوم) ، تحقيق: علي معوض، وعادل أحمد، وزكريا النوتي, ط 1، (بيروت: دار الكتب العلمية, 1413 هـ) ، 1/ 218
(4) ابن عاشور، مرجع سابق،2/ 488
(5) الألوسي، مرجع سابق، 2/ 166
(6) البحر المحيط، مرجع سابق، 2/ 265