منذ أن استقرّت الملكيّة في عهد طالوت، بدأ القضاء تدريجيًا على عصبيّة القبائل، والانتماءات الأسرية التي كانت من قبل تتولى مهمة الدفاع عن المجتمع الإسرائيلي. وأصبح بديلًا لذلك إنشاء جيش منظّم عامل، يتولى تدريبه رجال من قِبل الملك، ويدينون بالولاء له. كما أصبحت مهنة الجيش مهنة ثابتة للجندي والقائد [1] .
"كما أن شاول في السنة الثانية لملكه انتخب لنفسه ثلاثة آلاف رجل من بني إسرائيل ليكونوا جنودًا يقيمون عنده" [2] . وقد انتقى طالوت كل إسرائيلي لائق للخدمة العسكرية وضمّه لجيش المجاهدين [3] .
وتدلّنا لفظة (الجنود) في الآية الكريمة (( فلما فصل طالوت بالجنود ) )على أنه جيش منظم ومرتب، وليس مجموعة عشوائية من البشر، وذلك ان أصل لفظة (الجَنَد) هو الغليظ من الأرض ذات الحجارة، إذ بعضهم يعتصم ببعض [4] ، وأصبح كل مجتمع متماسك قوي يسمى: جندًا [5] .
ومع أن الآيات التي تحدثت عن بني إسرائيل في عهد موسى عليه السلام كثيرة جدًا، إلا أنه لم تذكر لفظة (الجندية) في تاريخهم إلا في عهد (طالوت) ، ثم من بعده (سليمان) عليه السلام [6] .
رابعًا: تكوين مملكة ودولة:
لأوّل مرّة في تاريخ بني إسرائيل يقوم لهم كيان ودولة -بالمفهوم المصطلحي لدى علماء الاجتماع- في عهد الملك طالوت، الذي استطاع أن يوسّع من نفوذه وحدود
(1) فؤاد حسنين، مرجع سابق، ص 172
(2) الدّبس، مرجع سابق، 2/ 242
(3) بيومي، مرجع سابق، 4/ 683
(4) أبو حيان، مرجع سابق، 2/ 273 (بتصرف) .
(5) رشيد رضا، مرجع سابق، 2/ 486 (بتصرف) .
(6) وذلك في قوله الله: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) } [النمل: 17 - 18]