المبحث الثاني
قصة طالوت ومناسبتها لسورة البقرة
المطلب الأول: قصة طالوت ومحور السورة:
من المؤكد أن القصص إنما يرد في سياق السورة ليؤدي وظيفة فيه، ويرد من القصة غالبًا ما يناسب موضوع السورة ومحورها وأهدافها، وهذا مظهر واضح من مظاهر وحدة السورة وتناسب معانيها [1] .
وبحسب ترجيحنا أن المحور الرئيس هو المدافعة، فإننا نجد أن قصة طالوت تحدثت عن الجهاد، وبيان أنه الوسيلة المثلى لرفع الفساد من الأرض {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} ولن يزاح الفساد إلا بالجهاد.
وتؤكد القصة أيضًا أن الظالمين لا يستحقون النصر ولا التمكين {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} ، ومثل هؤلاء الذين لم يطبقوا سنن الله في المدافعة، لا يستحقون التمكين.
وأن من أراد التمكين فعليه بأخذ أسبابه ومن ذلك العلم والقوة، وهو سبب اختيار طالوت للملْك: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} ، وبذلك استحقت تلك الفئة المؤمنة أن تحققّ مقومات النصر، وتأهلت للريادة، بعد أن كادت تموت تلك الأمة.
وتؤكد القصة أيضًا أن طبيعة الصراع والمدافعة بين الحق والباطل، والاقتتال بين أهل الكفر وأهل الايمان هو حتمية لازمة ما دام هناك مؤمنون مصلحون، وكافرون مفسدون. ولا شك أن عهد طالوت بالنسبة لبني إسرائيل قد كان بداية التمكين الدنيوي الكبير في الأرض.
(1) أحمد أبو زيد، التناسب البياني في القرآن، (الرباط: مطبوعات جامعة محمد الخامس، 1992 م) ، ص 67