وقد استهان بعض الناس بهذا الشرط المهم للقائد, وقالوا: كفى بالقائد أن يكون صحيح البدن, معافى من الأمراض الخطيرة المزمنة، أو الأمراض التي تؤثر على العقل. وهذا غير صحيح, فالبدن بالنسبة للنفس البشرية, بمنزلة الآلة للصانع, والسفينة للربان, فإذا كانت الآلة ضعيفة, أو السفينة ضعيفة, فماذا ينفع الصانع والربّان؟ فجودة تركيب الجسم من العظام واللحم والجلد وما يتبعها, تعطي قوة في البدن, وبها يصلح للسعي والتصرف في أمور الدنيا والآخرة. [1]
ومع ذلك فإننا نقول أن القوة في كل ولاية بحسبها؛ فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب, وإلى الخبرة بالحروب, والمخادعة فيها, وإلى القدرة على أنواع القتال, من رمي وطعن وضرب وكرّ وفرّ, ونحو ذلك، والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل, وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام [2] ، والقدرة على أداء المهام والأعمال [3] .
هذه القوة لم تكن مقتصرة على (طالوت) , بل حتى خليفته من بعده (داود) عليه السلام, وصفه الله بقوله: (( وداود ذا الأيد ) ) [4] ، قال ابن كثير:"الأيد القوة في العلم والعمل" [5] .
وقد بلغ (طالوت) غاية القوة في جميع جوانبها, والتي تختزل عددًا من الصفات المتنوّعة, وهي بمجموعها تعطي شخصية (طالوت) قوة فوق قوته, ومن تلك الصفات:
(1) الراغب الأصفهاني, الذريعة, مرجع سابق، ص 114:113 (بتصرف) .
(2) ابن تيمية, السياسة الشرعية, مرجع سابق، ص 17 (بتصرف) ؛ وكذلك: ابن الموصلي, مرجع سابق، ص 94:93
(3) المظهري, مرجع سابق، 1/ 348
(4) سورة ص, الآية 17
(5) تفسير القرآن العظيم, مرجع سابق، 7/ 49